ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
البحث عن الحب في نزلة السمان – مراجعة وتحليل لفيلم صبيان وبنات – مراجعة: فادي سامي

في غربته القصيرة في بيروت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في نهاية السبعينيات، يكتب المخرج يسري نصر الله في جريدة السفير اللبنانية عن أزمة الفيلم التسجيلي العربي، والمصري تحديدًا، ويقرر بأن «السينما المصرية بطبيعتها هي سينما مقموعة»، أي أنها تغيب عنها الديمقراطية، فتقمع كل التجارب المختلفة ليتصدر المشهد أمامنا فقط كل رثّ ورديء.
وليست السينما التسجيلية غائبة عن ذلك، فهي ـ حسب «نصر الله» ـ مقموعة عندما تحاول الاختلاف، وفي أغلب الوقت تمارس الكذب على المواطن. فالتليفزيون الرسمي يحظر، منذ انطلاقه عام 1960، تصوير الفلاحين وهم يستحمون في الترع والبرك، ومثلها من المشاهد على سبيل المثال. وهكذا تنحصر السينما التسجيلية المصرية في تصوير جماليات القاهرة المعزية، والدعاية السياسية الفجة، والنهضة العمرانية القائمة، متجاهلة حقائق أن القاهرة، المدينة التي بُنيت لمليوني ساكن، يسكنها في الأصل ثمانية ملايين مكتظين فوق بعضهم.
أو في تجارب مثل تجربة المخرج شادي عبد السلام، الذي ينصب اهتمامه، في محاولات هروبه من الكذب، على تجارب جمالية في تصوير الآثار القديمة. وبين التجربتين يتوه المتفرج “العادي” الذي لا يجد نفسه في أي منهما، فعندما يجد المتفرج في الريف أو الصعيد تلك الأفلام المعروضة على التلفاز يغيرها إلى القناة التي يصل إرسالها إليه بشكل أقوى، ليشاهد “مسلسلًا ميلودراميًا عربيًا أو حلقة أجنبية على قناة أخرى”.
يسمي «نصر الله» السينما التسجيلية المنتجة في ذلك الوقت، والتي ظلت على نفس نمط الإنتاج حتى دخول الفيديو في منتصف التسعينيات، بـ”مصنع الكذب”.
وبعد ستة عشر عامًا، وبعد صناعة فيلمين روائيين، يخرج «نصر الله» أول أفلامه التسجيلية «صبيان وبنات» (1995)، ليحاول فيه الثورة على الشكل التقليدي للفيلم التسجيلي الذي انتقده هو نفسه قبل ستة عشر عامًا.
فبدايةً، ليس هناك دعاية. تظهر الأهرامات، ولكن كخلفية في جو مكفهر وحار على الدوام، وليست كأثر مصر الثمين. ليست الأهرامات هي المركز، بل “باسم سمرة”، المدرس بمدرسة الصنايع، وعائلته وأصدقاؤه الموزعون في أنحاء منطقة الهرم ما بين نزلة السمان ونزلة البطران، وتمتد جذورهم إلى بلقاس بالدقهلية.
يقودنا “سمرة” إلى بيوت نزلة السمان ونزلة البطران البسيطة، فالصورة المسيطرة على الفيلم ليست الصورة الدعائية الرسمية النظيفة، بل الصورة التي عادة ما توصف في السرديات الرسمية بشكل احتقاري بـ”العشوائيات”. لا يستسلم «نصر الله» لتلك الوصمة، بل يتخذ موقف النقيض منها؛ موقف المقترب والمتفهم.
لا يأخذ مسافة من أبطاله متذرعًا باختلافاته الطبقية أو بأنه خارج ذلك المجتمع، ولا يتخذ موقف المتفرج، بل موقف الصديق الحميم الذي نسري له بمشاكلنا وهمومنا، وحتى نسخر منها في جلساتنا العامة والخاصة. صديق خفيف على القلب، نعلم أنه يمكن التحدث معه دون أحكام.
يظهر ذلك بداية من تسمية الفيلم: «صبيان وبنات»، تسمية توحي بأن أبطالنا أشخاص رقيقون، صغار مهما بدت ملامحهم كبيرة أو وجوههم خشنة. فـ«باسم سمرة»، بطلنا، يظهر لنا من الوهلة الأولى بوجهه الأسمر وملامحه الخشنة، لكن خلف تلك الملامح يخفي براءة نادرة تظهر فورًا بمجرد أن يتكلم.
يصوره «نصر الله» واقفًا أمام باب بيته ويعرف نفسه ببساطة: “أنا باسم سمرة.. وبحاول ألاقيلي مكان في مجال السينما”، أو يقف فوق سطح بيته بنزلة السمان والأهرامات وراءه ليعترف ببراءة بأنه «يزوغ» في الأيام التي لا تتطلب منه حصصًا بمدرسة الصنايع: “أنا خجلان وأنا بقولك بزوغ، بس بزوغ.. ساعات”.
مباشرة يظهر اختلاف «سمرة» عمن حوله. ففي التمرينات السادية التعذيبية المسماة بالطابور الصباحي يقف متمايلًا، يمرح مع ذاك ويهرج مع ذاك، بينما يراه زملاؤه الأربعينيون “المستقرون” بالمدرسة كفنان فوضوي ومنحل. يضيع وقته في شغل السينما، ولا يريد الزواج.
يحاول باسم جاهدًا التأقلم مع مجتمعه، أن يصرخ ويقول: «أنا هنا، لن أُدفن في تلك الظروف». تخرج تلك الصرخات أحيانًا بشكل لا إرادي منه، حتى يخبر أباه في نقاش محتدم بينهما، بحماس الشباب: “إنت طموحك محدود، أنا طموحي ملوش نهاية”.
في «صبيان وبنات» يحاول «نصر الله» الاقتراب إلى أقصى حد من كل المجتمع الذي يصوره؛ أصدقاء «سمرة» وزملائه وعائلته. يخلق فيلمًا دافئًا، فلا يشعر أبطالنا بأنهم غرباء أو في عملية بحث اجتماعي استشراقية.
يستخدم «نصر الله» اللقطات القريبة غير المعتادة في تلك النوعية من الأفلام. ليس هناك “انترفيو” بالمعنى الصحفي؛ الجميع يتحدث للكاميرا ولـ«نصر الله»، لكنه أيضًا يتحدث لكل من حوله.
نتحدث في الحب والجنس والحجاب والطموحات الخائبة والآمال الكبيرة. يفكر الجميع بصوت عالٍ معًا. ليس هنا أسرار، وليس هناك معلومات ساخنة خفية يكشفها «المخرج المثقف»، بل يقول الجميع ما يريدون قوله في العلن، أمام الأهل والأصدقاء، وفي جلسات طبيعية ومريحة؛ على الكنبة، أو أثناء العمل، أو بالجلابية البيتية، بطريقة تتحدى رتابة اللقاءات التسجيلية التقليدية.
فتصبح تجربة الفيلم عملية مشاركة جماعية، ويتحول الجمهور في النهاية إلى جزء من هؤلاء الأهل والأصدقاء، ويكتسب الفيلم صدقًا نادرًا.
صدق يظهر في تصويره للأشخاص. لا يبني «نصر الله» فيلمه بشكل تقليدي، فلا نحتاج إلى تمهيد ولا إلى لقطات تأسيسية، فقط يزج بنا منذ أول مشهد بين العائلة ـ والسيدات تحديدًا ـ الجدات والأمهات والأخوات، ويسألهم: من اختارت زوجها عن حب؟
منذ أول نظرة إليهن تذكرت خالتي في بلدتي القريبة من بلقاس «منية سمنود – أجا دقهلية»، بنفس الحجاب والعباءة البيتية البسيطة ولفة الشعر.
لا يهتم «نصر الله» كثيرًا بحسابات المتعة والملل، فهو يراهن على الطبيعية والسرد التلقائي، وعلى هذا التشابه مع أمهاتنا وخالاتنا وجداتنا. نحن الريفيين المدينيين. يراهن على أن الحميمية، وليست الخطابية، هي ما يمكن أن يصنع المتعة.

الحب فيه بقائي
«صبيان وبنات» هو فيلم عن الحب؛ فهو أول ما يبدأ به الفيلم، وهو الشيء الذي يبحث عنه أبطالنا باستمرار.
في أحد أرقّ تتابعات الفيلم، يسأل «نصر الله» «باسم» وأصدقاءه عن الحب وعن تجاربهم، لنكتشف أن أغلبهم لديهم ذات التجربة؛ التجربة الوحيدة الفاشلة لأسباب مختلفة، يواجهون بعجزهم فيها فتفشل، لكنهم لا يتوقفون عن المحاولة، والمواعدة، والحب مجددًا.
نشاركهم حريتهم الدائمة في الحب وفي البحث عنه. يرفض «سمرة» الإلحاح بالزواج الذي يأتيه من والدته، وزملائه في العمل، وحتى الحلاق. يتردد، وتبدو الحيرة عليه دائمًا.
وفي إحدى الليالي، بعد تجربة كاستنج فاشلة في الإعلانات التي يرفضها، يخبر صديقه البقال: “مبنعرفش نحب يا عبده، أو متعلمناش يعني إيه نحب، إحنا جيل مظلوم”.
وفي نقاشاته مع أصدقائه ينفتح الباب على تلك الحيرة والتناقضات أكثر؛ ما بين المحافظة والتحرر، وما بين العلاقات العابرة وقواعد المجتمع والرغبات سريعة الزوال.
أيمكن للمرء أن يحب ويمنع الآخرين من الحب؟ ولماذا؟
يفسر «سمرة» تلك التناقضات والازدواجية التي يتمتع بها الرجال تحديدًا في هذا المجتمع بقوله: “أنا عايش تعبان بسبب الموال ده.. الواحد مننا عايش بشخصيتين”.
لا يقدم «صبيان وبنات» إجابات، ولا يخبرنا كيف نتخطى ازدواجيتنا أو كيف نحب في مجتمع محافظ مثل مجتمعنا، ولكنه ينغمس في رحلة الحب تلك، يستمر في التساؤل، ويجيب البعض بصراحة والبعض بخجل، وتظل العيون تفضحهم.
في أحد المشاهد يسأل «سمرة» أخت أحد أصدقائه عما إذا كانت اختارت زوجها، فتجيب: نعم، ثم تحاول بحياء لطيف أن تنكر بعدها وتدعي أن لزوجها فقط محلًا أسفل المنزل كانت تشتري منه الشيكولاتة.
يسأل باسم جميع زميلاته النساء في العمل عن مواصفات فتى أحلامهن، أو بمعنى أصح: كيف يتمنين أن يجدن الحب في عالمهن.
وتقودهم النقاشات إلى الحجاب وأسباب ارتدائه، ما بين الخوف من التحرش، وضغط المجتمع، وحتى الخوف من الزواج أحيانًا.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عامًا منذ صدور الفيلم، أجد أنني أشارك «باسم» وأصدقاءه في حيرتهم وبحثهم عن الحب، ولكن ربما بازدواجية أقل؛ فالعالم قد تغير على أي حال.
أجدني في عالم يتهاوى، والحب فيه يقل أكثر فأكثر، فأستمد منهم الإلهام لأن أحاول مرة أخرى، حتى ولو كانت التجربة فاشلة.
ينهي «نصر الله» فيلمه بمشاهد لأبطاله في رحلة، يغنون ويرقصون أمام البحر، نساءً ورجالًا، متناسين أي خلافات أو نقاشات حامية دارت بينهم، ومتناسين حتى سلطة المجتمع الذي يهربون من قواعده أحيانًا وينصاعون له أحيانًا أخرى.
فقط يحتفون باللحظة، وبالحب، وبالحياة.
يخطر لي الآن أنه ربما ذلك هو السبيل للحياة، وحتى لمقاومة قسوة عالم يزداد جنونًا دائمًا؛ أن نتمسك بتلك الحيرة التي لا تمنعنا من الاحتفال، ولا من الحب، وبذلك الفضول الذي يجعلنا أقرب، وأن نحتفظ بتلك الرغبة الدائمة التي مهدت لذلك الفيلم بأن يظهر؛ الرغبة في أن «نحب ونتحب».
أو كما يقول نصر الله عن الفيلم بعد أحد عروضه الاستعادية:
“ده اللي لسه بيخليه حي.. المجتمع ما زال محافظ، والحمد لله الناس لسه عايزة تحب.”