عندما يحصى العتاب – مراجعة: إيمان عفيفي

الملنيل

 

ملاحظات على نظرة شادي عبد السلام للأشياء، حلقة الدحيح مدخلا

 

بمشاهدتي لحلقة الدحيح عن “المومياء”، رافقني شعور بالنقصان، والفقد، والرغبة في المزيد. كلما تحدث غندور أو الدحيح كما يعرف، كلما زاد هذا الشعور. للوهلة الأولى ظننت أن المشكلة تكمن في الدحيح: طريقته في تبسيط الأشياء لدرجة التجريد، وعدم وجود مساحة للاسترسال أو التعمق في أي شيء حتى يتماشى المحتوى مع موازين السوشيال ميديا والـContent Creation. ربما لأنني أيضًا لا أحب طريقة غندور في سرد الأشياء؛ إيقاعه سريع، وتيرته تفقدني التركيز، ولا أستطيع إكمال حلقاته. تمر عشر دقائق وأظل لا أعرف ما سبب هذا الشعور، ولكن بعدما انتهى من سرد أحداث “المومياء” وتحليلاته الفنية والبصرية المستدلة على مراجع ومصادر، وتبسيطه لأحداث الفيلم وقصته لدرجة جعلت من المشاهد معجبًا ولهانًا، تدفعه الرغبة لمشاهدة تلك التحفة الفنية، بل والإرث التاريخي، على الأقل هذا ما انتاب أمي بعد مشاهدة الحلقة معي، بدأ بالتحدث عن شادي عبد السلام، المخرج المبدع وراء هذا العمل العظيم.

هنا بدأت ألاحظ أن لربما المشكلة ليست في طريقة السرد أو وتيرة الإلقاء، أو حتى غندور شخصيًا، بل المشكلة، إن سنسميها كذلك، تكمن في شادي. مشاهدة الحلقة أنعشت ذاكرتي بكل المصادر والمراجع التي أجمعها على مدار السنة والنصف الماضية، فأنا أبحث عن شادي أينما ذهبت. أعترف أن العلاقة التي تربطني بشادي ليست علاقة كاتبة تبحث عن مقال، أو مؤرخة تبحث عن مصادر، بل علاقة فتاة وجدت في أعمال شادي إلهامًا، بل وجدت منفذًا تستطيع من خلاله لمس اهتمامها الشخصي بمصر القديمة. أحب شادي، وأحب لوحاته وكادراته. وأعتقد لهذا وجب العتاب.

استمع إلى غندور وانتظر المزيد، اقرأ المقالات وانتظر المزيد، أتتبع قضية “أخناتون” وانتظر المزيد، بل وأبحث عن مقابلات وتسجيلات ووثائق، ولكن هكذا يتركني شادي، منتظرة المزيد. في البداية ظننت أن هذا الشعور نابع من تقصير مني، فيجب البحث بتعمق أكثر، أو لربما أنا أبحث في المكان الخطأ، وبعدها ظننت أن هذا شعور طبيعي نابع من الهوس الفني المؤدي إلى نهم لا يمكن إشباعه. ولكن بعد حلقة الدحيح قمت بإعادة قراءة ما يقوله شادي عن نفسه، أو قمت بإعادة زيارتي لشادي، كما أحب أن أسميها.

يحكي شادي عن نشأته، فقد ولد وتربى في الإسكندرية، ولكنه لم ينقطع عن مسقط رأسه، المنيا، ويحكي عن حبه لها وعن ألوانها التي تريح عينه، ويستوقفني هنا اختياره لحاسة البصر وتوجيهها له ولقراراته، فاهتمامه بالمنظر العام وتكوين الكادرات، سواءً داخل عدسة الكاميرا كانت أم خارجها، يظهر بوضوح، بل ويفرض نفسه على المُشاهد. فيلم “المومياء” شاهد على هذا، فكل كادر تم تصميمه وإنتاجه على الورق قبل إعادة بعثه على الشاشة الفضية. يستكمل شادي قصته بالحكي عن عدم حبه للدراسة والهروب منها إلى الفن والرسم، وأنه لم يلقَ أي تشجيع من عائلته، ولكنه لم يلقَ أي منع أو ذم كذلك.

يكبر شادي وتكبر أحلامه، وصلاحياته وامتيازاته الإجتماعية تجعله يسافر إلى أوروبا ويزور ويدرس في عواصمها، فيذهب إلى لندن لدراسة العمارة، ويذهب إلى باريس وروما وغيرهما. يعود إلى مصر ويخدم في جيشها في ٥٦، وهنا يستوقفني تعليقه على هذه التجربة، حيث يقول أنها أول مرة يخالط المصريين بجميع طبقاتهم، ويعايش معهم حيواتهم المختلفة من خلال قصصهم، ويقول أن تجربة الجيش تفرض على الشخص التعامل والتعايش مع كل طبقات الشعب المصري.

في بضع كلمات، لخص شادي إشكاليتي معه. لربما ليست إشكالية معجبة أو مشاهدة لأعماله، ولكنها إشكالية باحثة إثنوغرافية. ظل شادي على مدار السنين يردد أن حلمه وهدفه، بل ومصيره في حياته، هو حفظ التاريخ وربط الناس بتاريخهم وحضارتهم، وتوصيل أهمية الماضي بالحاضر، ولكن حتى في أهم أعماله لم يستطع صنع هذا الرابط. فالمومياء، كما وضح الدحيح، فيلم عالمي، عُرض في مهرجانات عالمية وأُدرج في قوائم أهم الأفلام في تاريخ السينما.. فيلم عالمي، تراث سينمائي، ولكنه ليس للمُشاهد العادي. تجربة شادي الحياتية، بل والعملية، تنعكس في رؤيته الفنية، فهنالك دائمًا النظرة العُلوية على الأشياء.

يمضي من عمره عشر سنوات أو أكثر على مشروع عمره، يحاول أن يجد له تمويلًا من الدولة، يراه كمشروع مصري قومي، يعيد كتابة السيناريو أكثر من مرة، ويرسل رسائل شخصية إلى شخصية الفيلم الرئيسية “أخناتون”، ولكن لم يفكر في الحديث مع الناس، في النزول إلى الشارع، في رؤية وفهم علاقة المصريين المعاصرين بـ”أجدادهم” و”بتاريخهم”، وحصر هذا التاريخ في الحضارة الفرعونية.

شادي، كما الكثيرين من النخبة، يرى أن هذا الإرث يجب استكماله وتوظيفه في الحاضر، وحتى إن كان هدفه هو إرجاع هذا الإرث المصري إلى المصريين، تظل النظرة استعمارية النزعة في رؤية أن المصري جاهل بتاريخه، وأن أصح شيء يجب فعله هو تسليم هذا الإرث إلى السلطات المعنية. حتى في “شكاوي الفلاح الفصيح” نرى الفلاح الكادح المظلوم المغلوب على أمره، غير قادر على إرجاع حقه، لا بالمقاومة ولا “بالدراع” ولا بالصياح حتى، بل بكلمة، ملقاة ببلاغة كافية لاستقطاب انتباه الحاكم.

يستوقفني في “الفلاح الفصيح” أنه إسقاط على حالة الضياع والانكسار، بل والشعور بالهزيمة بعد نكسة ٦٧ ووفاة الرئيس جمال عبد الناصر في ١٩٧٠، أو على الأقل هكذا أقرأ الفيلم. ولكن أهذا فقط كل ما بوسع المواطن المصري فعله؟ أن يكون لسان حاله الشكوى والندب والشجب والتنديد، حتى ولو كان ببلاغة ألف شاعر وأديب؟ أليس هذا ما يراه المستعمِر وما يتوقعه من المستعمَر؟ أن الاعتراض والمقاومة صفات الهمج البدائيين، ولكي تكون متحضرًا يجب أن تعبر عن نفسك ومأساتك بكل شاعرية وهدوء؟

ربما استرسلت، ربما أُسقط وأصب غضبي من واقع مرير على شادي وأعماله، ولكن جزءً من هذا الغضب هو عدم قدرتي على فهم تناقضات ذلك الكاهن. فهو ناقم على عروبته، عاشق لناصر، لديه رغبة في الوصول إلى الناس،ـ منعزل عن الواقع، رؤيته لأفلامه على أنها مشاريع قومية، عدم اعترافه بأنها “self indulgent”.

في إحدى رسائله إلى أخناتون، يبوح شادي باستيائه من المصريين لأنهم لا يعرفون أن مصر الفرعونية هي أقدم وأعرق من مصر العربية، وهذا يعود على المدارس وتركيزها فقط على الفتوحات الإسلامية. وفي رسالة أخرى يعتب عليهم لعدم معرفتهم أن مصر القديمة عرفت النقابات العمالية والمهنية: “حين رفع عمال البر الغربي في الأقصر احتجاجًا مكتوبًا على بردية إلى حاكم الإقليم…”. وفي هذا العتاب/الاستياء أسمع نفس صدى نبرة الذم والاستحقار من عالم المصريات الأمريكي الذي قال “حفظ الله مصر من المصريين”، أو ماسبيرو أو مارييت أو آخرون رأوا الأحقية لأنفسهم على هذا التاريخ، وأرى أيضًا خطابًا ناصريًا حكوميًا يستمد شرعيته من مصر القديمة، وكأن فرعون مصر كان أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة.

لا أعلم لماذا مشاهدتي لحلقة الدحيح أثارت كل هذا الحقن والغضب و”الزمزقة العاطفية”، ولكن لربما هذا بسبب ضيق صدري من عدم مقدرتي على كتابة أي شيء يخص الكاهن، شادي عبد السلام، وعدم ملاحظتي أن كل الكلام والآراء والتحليلات التي عثرت عليها ما هي إلا إعادة تدوير لما قاله شادي شخصيًا. ظننت أنني ألف في حلقات مفرغة، ولم أدرك أن تلك الحلقات، مثلما لوحاته الفنية، من صنع شادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *