ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
القاهرة كحوض سمك كبير – مراجعة وتحليل لفيلم “جنينة الأسماك” – مراجعة فاطمة الزهراء
يبدأ الفيلم باستغاثة بصوت أسمهان: ” يا حبيبي تعالى ألحقني شوف اللي جرالي”
من بداية المقال، هل يمكن أن نختصر الفيلم في تلك الاستغاثة؟ في رأيي، نعم. أيا كان من المقصود بالحبيب وأيا كان “اللي جرالي” وأيًا كانت درجة “غرامي اللي هالكني” فيمكن أن نختصر هذا الفيلم المشحون بالجماليات في أول جمالية به وهي “التكثيف” وفي جمالية من أهم جماليته التي ستتكرر معنا أكثر من مرة وهي “الرمزية”.
لا يمكن قراءة “جنينة الأسماك” بمعزل عن المشروع السينمائي الممتد لمخرجه العظيم يسري نصر الله، بل يمكن اعتباره النقطة التي وصل فيها انشغاله بـ “تشريح المجتمع” إلى ذروته السيكولوجية والأسلوبية. فإذا كان نصر الله قد رصد في فيلمه الوثائقي “صبيان وبنات” (1995) التحولات الاجتماعية والنزوع نحو المحافظة والحجاب لدى جيل التسعينيات بكاميرا واقعية ومباشرة، وإذا كان قد فكك وعي المغترب وأسئلة الهوية في المدينة الأوروبية في فيلم “المدينة” (1999)، فإنه في “جنينة الأسماك” ينتقل من رصد “الظواهر” إلى تشريح “الدواخل النفسية” على أكثر من صعيد وطبقة.
الفيلم يمثل قفزة أسلوبية واضحة عن ملحمته التاريخية “باب الشمس” (2004)؛ فبعد أن كان نصر الله يروي التاريخ الجمعي والذاكرة الفلسطينية في فضاءات مفتوحة وممتدة، يرتد في “جنينة الأسماك” إلى الداخل، ليُنقب في الذاكرة الحاضرة والمأزومة لمدينة القاهرة عبر فضاءات كابوسية ومغلقة. ليس بالتعري الواضح كما في فيلمه “إحكي يا شهرزاد” (2009)، لكنه في رأيي يتقاطع بشكل ما مع فيلمه الأسبق “سرقات صيفية” (1988) في فكرة رصد “تداعي وعجز طبقة اجتماعية معينة”، لكنه هنا يستبدل شمس الريف الساطعة بعتمة ليل القاهرة البارد، ليصبح “جنينة الأسماك” هو الفيلم الأكثر تجريبية في مسيرته؛ حيث تحولت كاميرته من أداة “للتوثيق والمقاومة بالذاكرة” إلى مشرط طبيب تخدير يحلل جلطات “الخوف” التي أصابت قلب العاصمة قبل انفجارها الكبير.

مرثية الخوف والمدينة الزجاجية
في خريف عام 2008، أطلق المخرج يسري نصر الله فيلمه “جنينة الأسماك”، ليكون بمثابة صدمة بصرية ومفاهيمية في مشهد سينمائي كان غارقاً وقتها في موجات الكوميديا الاستهلاكية. لم يكن الفيلم مجرد حكاية ليلية عن شخصيات قاهرية تبحث عن الونس، بل كان أشبه بـ “مسبار سيكولوجي” يغوص في أحشاء مدينة كانت تغلي ببطء تحت وطأة الانسداد السياسي والاجتماعي. كل ما كان في الفيلم كان مختلف إختلافًا طليعيًا ثوريًا، حتى أغنية الفيلم “الحياة لو لعبة” التي اختارها نصر الله أن تكون “دويتو/ تعاون/ مزج” بين فرقة راب ومغني من صعيد مصر، كانت -وقتها- إختلافًا كبيرًا عما كان في المحيط، محيط الوعي الجمعي المحكوم “بالسوق” بالطبع، لكن بالنسبة للفيلم ولنصر الله ولوسط البلد فتجميعة الراب وصوت الشيخ زين محمود وأداء الألمعي باسم سمرة وفاكتوري تاون هاوس (مكان تصوير مشهد أغنية الفيلم) كل ذاك كان منطقيًا ومفهومًا للغاية، ورأيته استخدامًا ناجحًا كأدوات للكشف عن “حقيقية” ما كان يحدث وقتها.
من خلال شخصيات متعددة الأبعاد وسيناريو شَبكي ومتقاطع صاغه بعناية شديدة نصر الله بالتعاون مع الكاتب ناصر عبد الرحمن، يتخلى الفيلم عن السرد الخطي التقليدي، ليقدم “مرثية سينمائية” عن الخوف العارم الذي شلّ حركة المجتمع في أواخر الألفينات. القاهرة هنا لا تظهر بوصفها مساحة جغرافية، بل كـ “حوض سمك” كبير؛ مدينة زجاجية مظلمة باردة، الكل فيها تحت المراقبة، والكل فيها معزول داخل فقاعته الخاصة.
أحاول في هذا المقال، أن أعيد قراءة “جنينة الأسماك” ليس فقط كوثيقة بصرية تنبأت باحتقان ما قبل يناير 2011، ولكن كأثر فني يفكك ثنائيات العجز والاستماع، التخدير والوعي، من خلال تشريح دقيق لسيكولوجية المكان والجسد البشري في أوقات الخوف الممتد.
عمارة الفيلم وبنية السرد
يرفض الفيلم البنية التقليدية (بداية، وسط، نهاية). السرد هنا “شَبكي” أو متقاطع (Mosaic/Hyperlink Cinema)، يتحرك عبر الليل، الراديو، وغرف التخدير. مع بزوخ العامل المختلف وهو خط “المقابلات مع الممثلين” المستمر طوال الفيلم، فكل ممثل يتحدث في مقابلة بعد عدة مشاهد عن الدور الذي يؤديه وعن تماسه معه بشكل شخصي.
يتمرّد يسري نصر الله في “جنينة الأسماك” على هندسة السرد الخطي التقليدي، ويستبدلها ببنية “شَبكية” أو “فسيفسائية” تتقاطع فيها الحكايات وتتماس دون أن تندمج. السرد هنا لا يتحرك للأمام بقوة “الحدث”، بل يتحرك بشكل دائري وعرضي، مستكشفاً جغرافيا الخوف العارم في ليل القاهرة.
أتذكر حضوري لأحد عروض الفيلم الحديثة منذ أكثر من سنة، وقد حكي نصر الله في نقاش ما بعد العرض عن وجود نسخة من الفيلم بدون خط “مقابلات الممثلين” ووصفها بأنها نسخة “كئيبة ودمها تقيل”، واستطيع تخيل تلك النسخة والموافقة مع رأي نصر الله. فقد أضاف هذا الخط خفة لثقل الفيلم وكان مثل “البريك” من ظلاميته ومشاعر شخوصه المرتبكة الموحشة في بعض الأحيان.
تتجلى في شخصيات مثل “ليلى/ هند صبري” و”يوسف/ عمرو واكد” جمالية “الرمزية” مرة أخرى من خلال “التقاطعات الهشة” بينهما، فنراهما يتحركا في نفس المدارات تقريبًا، لكن يتواصلا قرب النهاية!. نرى التشابهات بينهما، فليلى ويوسف هما وجهان لعملة واحدة: تستمع ليلى لأسرار الناس وهم مستيقظين بوعي منهم (في الراديو)، ويستمع يوسف لأسرارهم وهم غائبين عن الوعي (تحت التخدير). كلاهما “مُستمع” لآلام الآخرين، ولكنه عاجز عن معالجة ألمه الشخصي. ويتجلي ذاك في أكتر من مشهد برمزية وبوضوح.
هذه العمارة السردية تتأسس على ركيزتين أساسيتين:
أولًا: المتواليات الهشة والتوازي السيكولوجي
يرتكز الفيلم على التوازي المفاهيمي بين ليلى (مذيعة الراديو) ويوسف (طبيب التخدير)؛ حيث يتحركان كأجساد مثقلة بآليات دفاعية لمواجهة “الخوف العارم”، محوّلين مهنتيهما إلى مجاز عن مجتمع يهرب من واقعه، ويظهر ذلك في نقطتين:
- الأولى: يوسف والتخدير (البنج كملاذ): يهرب يوسف من خوفه الشخصي من المرض والموت (المتجسد في والده المحتضر) عبر البنج؛ فلا يخدر المرضى لتجنيبهم الألم فحسب، بل لينبش في لا وعيهم عن حقيقة يعجز عن مواجهتها صاحياً. هنا يتحول التخدير إلى حالة مجتمعية عامة لجيل الألفينات المحاصر بالقمع والوحدة عبر غياب الوعي الاختياري، ليمضي يوسف ليله مستمعاً لهذيان المرضى لأن الصدق في المدينة بات مشروطاً بالتخدير.
- الثانية: ليلى والاستماع (الراديو كعزل صوتي): تقف ليلى وراء الميكروفون كمستودع لأسرار المدينة (العشاق، المجهضات، المنبوذين)، تملك سلطة الاستماع وتعجز عن التغيير، ممتصةً آلامهم كإسفنجة دون ترياق لوحدتها. ويتجسد عزلها في الاستوديو الزجاجي (الفقاعة الكونية)؛ حيث يخترق صوتها البيوت ليمنح الآخرين ونسًا زائفًا بينما تقبع هي في صندوق عازل، ليصبح الراديو أداة تأكيد على الانفصال وعدم التلامس.
ثانيًا: التقاء الخطين
لا يقدم لقاؤهما حلاً سحرياً بل يمثل “تقاطعاً للأقنعة”؛ حيث يلتقي مخدِّر الوعي مع باثة الكلام، ليدركا أن الخلاص يكمن في كسر الفقاعات الزجاجية ومواجهة الخوف معاً بدلاً من الهروب وراء وظائفهما، مما يولد لدى المتفرج وعياً حاداً بألمهما المشترك وفهماً أعمق لتوازي مساريهما.
ثانيًا: الحكايات العابرة كـ “أسراب” مستقلة
العمارة السردية للفيلم تسمح بظهور واختفاء حكايات ثانوية عابرة (مثل قصة الفتاة التي تبحث عن إجهاض، أو صديق يوسف الذي يهوى الحديث مع الفتيات على التليفون/ تميم عبده، أو أم ليلى وأخيها الغامض، ووالد يوسف/ جميل راتب وصديقه المريض/ أحمد الفيشاوي الذي يساعده ويغني الراب!، وغيرهم). هذه الحكايات لا تخدم “الحبكة الرئيسية” بالمعنى الكلاسيكي، بل تظهر كـ “أسراب سمك” مستقلة يمر عليها المتفرج.
كل حكاية عابرة هي طبقة إضافية تشرح كيف يتسلل الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية (الخوف من الفضيحة، الخوف من السلطة، الخوف من المرض). يتقاطع الأبطال مع هذه الحكايات لثوانٍ أو دقائق، ثم ينفصلون عنها، مما يعمق الإحساس بالوحشة؛ ففي هذه المدينة، يتقاسم الناس “الخوف” لكنهم لا يتقاسمون “المصير”.

الآن سأحاول أن أفكك الفيلم لعدة محاور حتى نستطيع أن نفكر فيه ونفهمه بصوت عالٍ سويًا..
ماذا سيحدث إن كانت: “الحياة لو لعبة..”؟
المحور الأول (المجاز والرمزية): التخدير والراديو.. أدوات الاستماع والعجز في مدينة معزولة.
نرى هذا المحور بأكثر من مثال وله أكثر من طبقة تتمثل أولًا في ثنائية الخوف والأقنعة. حيث الخوف كمحرك أساسي وخيط رفيع يربط كل الشخصيات. خوف من المرض والموت (علاقة يوسف بوالده/جميل راتب)، خوف من الفضيحة والسلطة الأبوية والمجتمعية (حكاية الفتاة التي أجهضت أو حكاية الشاب المصاب بالإيدز)، وخوف من الوحدة (السيدة المستأجرة/ سماح أنور). والتخدير كآلية دفاعية: ففي الفيلم التخدير ليس مجرد مهنة ليوسف، هو “مجاز” عن مجتمع بالكامل يحاول أن “ينام” كي يتحمل واقعه وخوفه الدائم.
المحور الثاني (المكان والجسد): سيكولوجية المكان.. من “المساحات المغايرة” إلى حوض السمك الكبير
المكان في سينما يسري نصر الله ليس حيزاً جغرافياً صامتاً، بل هو “ذات” فاعلة تتنفس وتفرض شروطها على الأجساد المتحركة داخله. في “جنينة الأسماك”، يتجاوز المخرج الجغرافيا الواقعية لحي الزمالك العريق، ليصنع من الجنينة وكهوفها مجازاً بصرياً وسيكولوجياً عن مصر في تلك الحقبة.
لا تكتمل شَبكية السرد وسيكولوجية المكان في “جنينة الأسماك” دون لغة بصرية وسمعية صارمة ومتسقة مع الثيمة الأساسية للفيلم. لقد نجح مدير التصوير سمير بهزان في تحويل الكاميرا والإضاءة من أدوات رصد إلى “شريك مضاد” يعمق إحساس المتفرج بالحصائر والأنفاس المكتومة.
ويمكن تفكيك سيكولوجية المكان عبر مستويين:
1. جنينة الأسماك كـ “مساحة مغايرة” (Heterotopia)
تُعد جنينة الأسماك بكهوفها الطينية وممراتها الملتوية تجسيداً لما يسميه الفيلسوف ميشيل فوكو بـ “الـHeterotopia” أو المساحات المغايرة؛ وهي أماكن حقيقية لكنها معزولة عن سياق الزمن اليومي العادي، يلجأ إليها الأفراد لممارسة ما لا يمكن ممارسته في العلن.
- الملاذ والحصار: تتحول مغارات الجنينة إلى ملجأ سري للعشاق، والهاربين من عيون العائلات وسلطة المجتمع. لكن المفارقة التي يبرزها الفيلم هي أن هذا “الملاذ” ليس آمناً؛ فالكهوف المظلمة التي تمنح الحرية هي نفسها المساحات التي يتسلل إليها المخبرون، المبتزون، والمتحرشون.
- الحرية المشروطة بالخوف: تصبح الجنينة مكاناً تتداخل فيه المتعة بالرعب؛ فاللحظة الحميمة مهددة دائمًا بالاقتحام. هنا، يفكك الفيلم فكرة “الخصوصية” في العاصمة، حيث لا يملك الفرد مساحة خاصة حقيقية، بل مساحات مستقطعة ومحاصرة بالخوف.
2. القاهرة بوصفها “حوض سمك” كبير
ينتقل الفيلم بذكاء من رمزية الجنينة إلى رمزية المدينة ككل (القاهرة) عبر بصرية “الزجاج والعزل”:
- كائنات وراء الزجاج: تظهر الشخصيات في بيوتها، سياراتها، واستوديوهات الراديو، وكأنها كائنات بحرية تعيش داخل أحواض زجاجية منفصلة. الإضاءة الليلية الباردة (التي تميل للأزرق والأخضر الفوسفوري) بعدسة سمير بهزان تعزز هذا الإحساس بـ “المائيّة” والعزلة.
- المراقبة المتبادلة: حوض السمك يتميز بأن الجميع فيه “مرئي” لكن لا أحد يستطيع “التواصل” مع من هم خارج حوضه. الكل يراقب الكل (السلطة تراقب المواطنين، المجتمع يراقب الأفراد، والأفراد يراقبون بعضهم بعضًا)، وهي مراقبة سلبية لا تنتج تضامنًا، بل تنتج وعيًا حادًا بالخوف والعجز. المدينة في الفيلم لا تنام، ليس لأنها حية، لأنها “مستيقظة من شدة الخوف”.

المحور الثالث (الجماليات البصرية): تحليل الإضاءة الليلية والكاميرات المراقِبة.
اللغة البصرية والسمعية
1. الإضاءة الليلية و”المائية الباردة”
- باليتة الألوان: يطغى على الفيلم طابع ليلى يميل بوضوح إلى درجات الأزرق البارد، الأخضر الفوسفوري، والرماديات. هذه الألوان تمنح القاهرة مظهراً يشبه “أعماق المحيط”، وتدعم مجاز “حوض السمك”؛ فالشخصيات تبدو وكأنها تسبح في سائل لزج ثقيل، والإضاءة تخلو من الدفء لتؤكد على برودة العلاقات الإنسانية.
- الظلال والكهوف السيكولوجية: يتم استخدام الإضاءة الموجهة داخل مغارات جنينة الأسماك وفي شقق الشخصيات، حيث تبتلع الظلال أجزاءً من وجوه الأبطال، مما يعكس سيكولوجية “الأقنعة”؛ فالكل لديه جانب مظلم أو سر يحاول إخفاءه عن أعين المتلصصين.
2. حركة الكاميرا: التلصّص والمراقبة الدائمة
- العدسات الطويلة: اعتمد الفيلم في كثير من لقطاته الخارجية على التصوير من مسافات بعيدة باستخدام عدسات تقرب المشهد لكنها تضغط المساحة. هذا التكنيك البصري يجعل المتفرج يشعر بأنه “يتلصص” على الشخصيات، أو أن هناك عينًا (قد تكون عين السلطة أو المجتمع) تراقبهما من بعيد.
- الكاميرا المحمولة والممرات الضيقة: في المشاهد التي تدور داخل الكهوف أو الشقق الضيقة، تتحرك الكاميرا بتوتر خفيف، متتبعة الأجساد من الظهر أو في ممرات ضيقة، مما ينقل للمتفرج إحساسًا فيزيائيًا بالـ (Claustrophobia) أو رهاب الأماكن المغلقة؛ فالشخصيات محاصرة سينماتوغرافيًا داخل الكادر.
3. المشهد السمعي: هدير المدينة وعزل الراديو
- الصوت المحيطي: يلعب شريط الصوت دورًا حاسمًا في إبراز وحشة المدينة. خلف الحوارات الهادئة، هناك دائمًا “هدير” خفي ومستمر للقاهرة (أصوات سيارات بعيدة، صفارات إنذار، وشوشة راديو). المدينة لا تهدأ، لكنه ضجيج لا ينتج ونسًا، بل يزيد من إحساس العزلة.
- المفارقة السمعية: يتمثل الذكاء السمعي في الفيلم في الانتقال المفاجئ بين صخب الشارع أو حيوية المكالمات الإذاعية، وبين الصمت القاتل والبارد بمجرد إغلاق باب الاستوديو الزجاجي على ليلى، أو باب غرفة العمليات على يوسف، مما يبرز الفجوة الضخمة بين العلن والسر.
أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد جاءت الاختيارات بمجملها في محلها وسياقها الصحيح. وعلى الرغم من تحفظي المعتاد على الأسلوب الأدائي للفنانة هند صبري، والذي يميل أحيانًا للاصطناع، إلا أنها هنا نجحت في تحجيم هذا التوتر لتقدم أداءً متزنًا لم يؤثر سلبًا على تدفق الفيلم. في المقابل، قدم كل من عمرو واكد، تميم عبده، الراحل جميل راتب، أحمد الفيشاوي، وسماح أنور، أداءً منضبطًا يتسق مع مساحات أدوارهم، سواء في الشق الدرامي أو في فقرات المقابلات والشهادات الحية التي منحت الفيلم طابعًا نصف تسجيليًا، محققين ديناميكية وتناغمًا واضحًا في العلاقات البينية للشخصيات.
وتستوجب الإشادة هنا التوقف بشكل خاص وكالعادة أمام الحضور الألمعي للفنان باسم سمرة؛ ففي معظم مشاهده إن لم تكن أجمعها، لم يكن المشاهد بحاجة لانتظار الكلمة المنطوقة، إذ كانت لغة عينيه وحضوره الجسدي يسبقان لسانه في نقل وتوصيل أعقد المشاعر الإنسانية وأكثرها كثافة.
في الختام، يظل فيلم “جنينة الأسماك” واحداً من أجرأ المغامرات الأسلوبية في سينما يسري نصر الله، وفي السينما المصرية الحديثة بشكل عام. الفيلم لم يسعَ لإرضاء شباك التذاكر، بل سعى لتأريخ “لحظة سيكولوجية” فارقة لعاصمة كانت تقف على حافة الانفجار.
عبر عمارته السردية الشَبكية، وتشريحه البصري والمكاني للخوف، نجح الفيلم في تحويل “جنينة الأسماك” بالزمالك من مجرد حديقة عامة إلى وثيقة إنسانية تدين عزلة الإنسان المعاصر خلف جدرانه الزجاجية. إنه فيلم لا ينتهي بانتهاء تتراته، بل يترك المتفرج يتساءل: هل خرجنا حقًا من أحواض السمك، أم أننا فقط تعلمنا كيف نتنفس تحت الماء مخدَّرين؟
والأهم، هل نحن -كما نرى- صامتين مُخدرين ساكنين، لا نتماس، لا نشارك، أم نحن كما قالت والدة ليلى: “جيل غريب عجيب، عندكوا إسهال كلام.. جيل أبيح حقيقي”؟.
