ثلاثة من أصل سبعة – هاجر عبد الماجد وشيماء أشرف

الملنيل

 

 

 

نص: هاجر عبد الماجد

رسم: شيماء أشرف

 

 

أتذكّر الأشخاص لا كما كانوا عندما كنا معًا، ولا كما كنت أشعر وقتها، بل أتذكّرهم كأشياء: روائح، أغانٍ، أفلام، أماكن. أعلم أن هذا ينطبق على أغلب البشر، لكني لا أتذكّرهم بحزن أو اشتياق. أُفضّل أن أتعامل معهم كأشياء؛ هكذا يبدو الوضع أفضل، والمشاعر أقل. قد تبدو جملة غير منطقية، لكنها حقيقية… وإن لم تكن كذلك دائمًا.

هناك أغنية انتشرت منذ فترة، أهداها لي شخص كنت على علاقة به. لم أفهم مغزاها وقتها؛ كان المغنّي طوال الوقت محتارًا بين هذا وذاك، وكنت أسأل نفسي: ما علاقة هذا بنا؟ لاحقًا اكتشفت أن الأمر يشبه حال معظم الرجال في حياتي: ثلاثة من أصل سبعة لا يعرفون ماذا يريدون، أو يعرفون، لكنه حتمًا ليس معي. سماعي المتكرر للأغنية كان يصيبني بالغثيان، يذكّرني بكم كنت غبية. لكن الآن لا بأس، نُسيت الأغنية على مواقع التواصل كغيرها.

الأماكن والأفلام هما متعتي الأكبر. أحب تكرار الأماكن، لأنني أؤمن تمامًا أنني ما دمت على قيد الحياة سأصنع ذكريات. أعشق هذه الفكرة؛ دائمًا تدفعني للاستمرار، وعدم الدخول في تلك الدراما التي تحدث عندما نربط الأشخاص بالأشياء.

تشبه الأيام دومًا من نصاحبهم. اليوم كنت بصحبة إحداهن، أقرب صُحبة سابقة لهذا اليوم كانت منذ ما يقارب سبع سنوات. كنت حينها مندفعة، متفائلة، لكن ساذجة. اليوم أبلغ العشرين مجددًا، لكنني هادئة، عملية، ولديّ بعض الحكمة. في كل مرة نتحدث أشعر بأنها تبحث عن شيءٍ ما. كنت أفهم هذا قديمًا. كنت غامضة، لا أتحدث كثيرًا، وحين أفعل لا أكون أنا. لم يكن تصنّعًا، بل كنت أخاطب الناس على قدر عقولهم، وأختبئ قدر المستطاع.

الآن لا أفعل هذا. لا أتحدث مع أشخاص أريد الاختباء منهم. لا أتحدث مع نفسي قليلة الصبر، كثيرة التفكير، السريعة في الحكم. لا أتحمّل أحكام الناس؛ لم أُخلق لإرضاء أحد، ومع ذلك أحيانًا أتأثر، وأحيانًا أتكسر. هذا شرخ في قلبي بسبب كلمة قالها أحدهم دون أن يعلم مدى ضررها. وهذا كسر قديم في قدمي، كنت أركض وراء أحلام ليست لي. وهذا كسر في ظهري، لأنني استندت على أسس خاوية. وهذا كسر في فمي؛ تيبّس لأنه لم يقل ما يريد في الوقت الذي أراده، فتوقفت عن الكلام فترة حتى تيبّس فمي ولساني، فانكسرا كأوانٍ فخارية.

لم أتوقف عن الكلام بعدها. أعترض حينًا، وحينًا آخر أُلقي نكتة لأهدئ من روع المواقف الصعبة. أغضب، وأُعلن غضبي على من يأخذون مكانًا ليس لهم، حتى لو لم يكن هذا المكان لي. أشعر بالغضب فقط من الأمر. وعلى الرغم من أنني أتحدث كثيرًا، إلا أنها لا تزال تبحث. ستملّ من البحث؛ فأنا أنا، لم أتغير، لكنني تغيّرت. ها أنا باسمي، وشكلي، ولوني، وقلبي، وعقلي، وتجربتي، وآلامي، وآثامي… لكنني لست أنا التي تبحث عنها.

كنت أتساءل دائمًا: لماذا نحب ونطمح إلى كل ما ليس بأيدينا تمامًا؟ كالشيء الذي بادر إلى ذهنك الآن. ألهذا معنى في علمٍ ما؟ أم أنني أنا التي تبحث عن المعنى؟ في كل مرة أنظر فيها إلى السماء أنبهر بجمالها. أحب اللون الأزرق، لا كرمز للمرض أو الوحدة أو الخوف، بل كهذا الذي تتخلله سحب بيضاء يمكن التنقل بينها بخفة فراشة. لكنني لن أطير يومًا؛ لا أنوي ذلك، ولا أحب المرتفعات. فلماذا إذًا أنظر دائمًا إلى السماء؟

القمر أو الشمس يثيران دهشتي: كيف خُلقا؟ أهو تجلٍ لعظمة الخالق، أم انبهار بما ليس في أيدينا؟ أعود فأُذكّر نفسي أن لا بد أن أحدهم ينظر إلينا من فوق، متأملًا جمال هذه المخلوقات الصغيرة، وهذا اللون الداكن؛ لون الأرض، لون بشرتي، ولون أحدهم المفضل. إنه انبهار بما ليس في أيدينا، لكن على حد سواء، أحب الأرض. لن أتغاضى عن شيء يحملني كل يوم بلا كلل ولا ملل.

على هذه الأرض مشيت يومًا إلى صديقة، ويومًا قابلت عليها أحدًا ظننت أن الأرض والقمر وحتى الهواء سيكونون شهودًا على حبنا. هنا قابلت أحدهم، وهناك فارقت إحداهن. رقصنا، وبكينا، وضحكنا هنا، على تلك الصخور الصمّاء التي لطالما انبهرت بصمودها أمام كل ما تقابله. تحملني الأرض، وتتحملني، لذا أحبها. أما السماء، فلا سبب لحبي لها سوى أنها بديعة الجمال، وخارج متناول يدي… تمامًا كأحلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *