ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
وأنا اعمل إيه عزيزي بليغ – فادي سامي ومصطفى سالم

عزيزي بليغ،
أكتب لك وأنا أستمع إليك تطرح بصوتك السؤال الأزلي: ما العمل؟ صحيح ليس بشكله السياسي كما طرحه لينين، ولكنني أظنك تطرحه بشكل أرقّ وأجمل، وربما أفيد حتى من لينين.
عزيزي بليغ، أتممت عامي الثاني والعشرين منذ شهر، وأشعر بأن العالم ينهار من حولي بلا قدرة على فعل شيء، ويزداد دوران السؤال في رأسي: “أنا أعمل إيه؟”. أعلم بالطبع أنك لن تجيبني على هذا النوع من الأسئلة الجدية، فأنت لست لينين أولًا، وثانيًا دائمًا ما تراوغ. ولكنك تواسيني بصوتك وتشجيني، هل انهار عالمك من قبل؟ أعلم بالطبع أن عالمك انهار وقت القضية الشهيرة، وأنك هربت أيضًا، ولكن أشعر بأن الهروب في وقتي أصبح امتيازًا نادرًا، وأشعر أيضًا أن بحياتك انهيارات كثيرة قبل ذلك. أحبك لأن بصوتك شيئًا مؤلمًا، أحاول البحث مرارًا وراءك عن مصدر ذلك الألم فلا أجده. لذلك أحب صوتك أكثر من ألحانك، رغم كل شيء، الإحساس لا يكذب. لا يهمني كم من الحكايات تُروى عن عبقريتك ونبوغك منذ الصغر، ولكن يهمني ذلك الإحساس الغامض لديك. أتذكرك في بروفة “كان يا ما كان”، ظللت تعيد في أول كوبليه فوق العشر مرات، تغنيه بصوتك مرات وتوجههم مرات، وتقول للفرقة: “هو الإحساس ده نوصله بس”. إحساس بسيط وصادق، وربما ضائع ومرتبك أيضًا.
أمسكتك متلبسًا بذلك الارتباك أكثر من مرة في هذا التسجيل، تسمي الله قبل أن تبدأ، تخونك حنجرتك وأصابعك عند “توبة”، فتسمي الله مرة ثانية، وتعيد، كأنك تبحث عن شيء ضائع. عودتني أمي أن أسمي الله دائمًا عند البحث عن شيء ضائع. تُرى هل تشاركت أمهاتنا في شيء؟ هل تشاركنا نحن الاثنان في شيء؟ بالتأكيد أنا لست ملحنًا نابغة ولا عبقريًا صغيرًا، لست أيضًا بالفنان البوهيمي الذي يفعل ما بدا له بدون اعتبار لمشاعر الآخرين، لم أتخيلك يومًا كذلك. كنت دائمًا أعتبرك نموذج العبقري “التوكسيك”، ولكن هذه المرة عندما سمعتك كان بصوتك شيء مختلف عن تلك الصورة، كأن هذا التسجيل البسيط والهامشي في سيرتك هو شيء أعمق وأدق عنك من كل ما لحنت، وكل ما غنّوا لك.
في أول مرة سمعتك في هذا التسجيل، بكيت عند: “نفسي أغني للفرح مرة.. نفسي ييجي هنايا بكرة.. أبقى عشت”. أنت أيضًا تبحث عن الحب يا بليغ، لعل هروبك الدائم بعد كل شيء هو شيء من مباغتته ومراوغته. ولكنك تؤمن به، تحاول إيجاده حتى ولو مصادفة، أو خلقه. أنا أيضًا يا بليغ أحاول إيجاده. في تلك الأيام أشعر بالغضب على الدوام، والسأم، ولكن تأتي تلك اللحظات التي أشعر بها بالامتنان والحب لأصدقائي، ولك، ولأهلي، ولأحبابي. لا أظن بأن الحب يصلح كعمل بالضرورة، ولكنه كصوتك ورقتك ربما يساعدنا على الاستمرار، وحتى الهروب. وربما حتى المواجهة التي تصرخ بها ونتعلمها بصعوبة: “سامعة قلبي بيناديه.. وأنا خايفة ليه من الهوى”.
عزيزي بليغ، أذكر أول مرة رأيتك تتحدث، كانت تلك المرة التي أدركت فيها كذب أغلب ما يقال عنك. صوتك رقيق، ورفيع، وهادئ، تتوه كثيرًا أثناء الكلام، إذا سمعته من بعيد ربما ظننته لطفل، كأنك تريد الاختباء، فأنت أيضًا أحد تلك النفوس الحائرة. يومها شعرت بقربي منك، فأنا أيضًا أريد الاختباء دائمًا، بدون أسباب أحيانًا. أعتبر نفسي من الأشخاص الانطوائيين عمومًا، لا أملك موهبة تلحينية رائعة حتى يعلو صوتي بها وينطلق كما ينطلق صوتك الآن، ولكنني أمتلك تلك الكلمات البسيطة، أحاول أن أظهر بها وأختفي في آن. ألم تفعل أنت ذلك أيضًا؟ أن تسجل تسجيلًا مغمورًا يختفي لسنوات حتى يرفعه أحد مستخدمي ساوند كلاود، وأجده أنا بشكل عشوائي فأعرفك، والآن أكتب لك لعلي أوثق تلك المعرفة والصداقة. لا أتوقع منك ردًا، ولكن أتوقع منك أن تعرفني أيضًا.. ربما.
ليل / داخلي – غرفة نومي
الخامسة فجرًا
أستيقظ فجأة وبلا مقدمات من نوم رتيب بدون أحلام. أحاول النوم مرارًا، وعندما أعجز تأتيني فكرة وحيدة: أن أرتدي السماعات وأسمع صوتك هنا، يهدهدني حتى أنام، سحر آخر يُضاف إلى سحرك. نمت وتخيلت عثراتي ووقعاتي، وتخيلتك بجانبي تحتضنني، وبرقة تربت يداك على كتفي، وسكتت كل الدنيا إلا صوتك.