الإجابة لا، لا يمكن للأسطورة أن تصبح حقيقة – مراجعة وتساؤلات لفيلم “مايكل” – كتابة: فاطمة الزهراء

الملنيل

الإجابة لا، لا يمكن للأسطورة أن تصبح حقيقة – مراجعة وتساؤلات لفيلم “مايكل”

كتابة: فاطمة الزهراء

من المعروف عني تمامًا أنني من أشد المهووسين بمايكل جاكسون، ولذلك لم أكن أرى أن تقديم فيلم عنه فكرة ناجحة على الإطلاق. كنت أتابع ردود الفعل والنقد الموجّه للفيلم قبل عرضه هنا، ولهذا دخلت القاعة وأنا أتوقع ألّا أستمتع به، وألّا ينجح أساسًا.-

ذهبت لمشاهدته في اليوم التالي مباشرة لطرحه في دور العرض المصرية، واخترت نسخة الـIMAX خصيصًا لأستمتع بالأغاني عبر سماعاته المميزة، وبالصورة التي يفترض أن تكون ثرية ومبهرة بصريًا. أثناء حجز التذكرة طلبت من الموظف أن يمنحني مقعدًا جيدًا حتى أتمكن من رؤية كل شيء وسماعه بوضوح، فأجابني قائلًا: «ما تقلقيش يا أستاذة، القاعة فاضية تقريبًا، فلو معجبكيش مكانك ممكن تغيريه براحتك».

حينها تذكّرت ذلك الإحباط الذي كنت أحاول تجاهله حتى أدخل الفيلم وأحكم بنفسي. وبالفعل، دخلت القاعة لأجد أن عدد الحضور لا يتجاوز خمسة أشخاص غيري.

شيء غريب حقًا. ألا يملك الناس حتى فضول المشاهدة؟ أين الجمهور؟

وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا نصنع أفلام السيرة الذاتية أصلًا؟

يشغلني مؤخرًا هذا الهوس المتزايد بإنتاج الأعمال التي تتناول السير الذاتية للفنانين والمثقفين؛ سواء في السينما، مثل فيلم “الست”، أو في الكتب مثل إصدارات نجيب محفوظ أو أم كلثوم الصادرة عن دار ديوان، إلى جانب الحديث مؤخرًا عن إنتاج مسلسل عن طه حسين.

لماذا أصبحنا مهووسين فجأة بإعادة تمثيل السير الذاتية؟ وعلى أي أساس نقرر أن هذا الشخص “ملهم” بما يكفي كي نعيد سرد حياته؟
 أفكر كثيرًا فيما يكشفه هذا الأمر عنّا. هل يعني أننا تائهون ونبحث عن قدوة؟ عن نموذج نتمسك به؟

لكن في المقابل، تنتج Netflix عشرات الوثائقيات والأفلام عن القتلة المتسلسلين، والطوائف المغلقة، والمجرمين. فهل يعني ذلك أننا أصبحنا نرى أنفسنا في هذه النماذج أيضًا؟ أم أننا نحاول فقط فهمها أو الاحتماء منها؟ حتى الآن، لا أملك إجابة واضحة.

وربما تكمن مشكلة أفلام السيرة الذاتية عمومًا في أنها تحاول دائمًا تبسيط الشخصيات المعقدة. هذا النوع من الأفلام يمتلك قالبًا محفوظًا: طفولة صعبة، موهبة استثنائية، صعود سريع، سقوط مأساوي، ثم لحظة تصالح أخيرة. لكن بعض الشخصيات لا يمكن اختصارها بهذه الطريقة، ومايكل جاكسون تحديدًا كان أكثر فوضوية وتناقضًا من أن يُختزل في خط درامي تقليدي ومريح للجمهور.

والأغرب أن الفيلم يتجاهل تقريبًا الحديث عن الثمن الحقيقي للعبقرية الفنية والهوس. فالمجتمع نفسه يساهم أحيانًا في صناعة هذا الدمار؛ الجمهور يريد من الفنان أن يبقى مبهرًا طوال الوقت، أن يظل شابًا، ناجحًا، استثنائيًا، ومتجاوزًا لحدود البشر باستمرار. ومايكل عاش طوال حياته تحت هذا الضغط تحديدًا؛ ضغط أن يكون “مايكل جاكسون” طوال الوقت، لا مجرد إنسان عادي يمكنه أن يتعب أو يختفي أو يفشل.

لكن كل ذلك قادني إلى سؤال أكثر خصوصية يتعلق بفيلمنا هذا: هل يمكن أصلًا تمثيل مايكل جاكسون؟

في رأيي: لا. «لا» قاطعة لا تحتمل التأويل.

لماذا أذهب لمشاهدة شخص يؤدي دور مايكل جاكسون بينما أستطيع مشاهدة مايكل جاكسون نفسه؟ لماذا أشاهد شخصًا يقلده في الرقص والغناء بينما الأصل موجود، حيًّا في الأرشيف والصورة والصوت؟

هل من أجل الكواليس؟ الكواليس موجودة بالفعل.
 هل لسماع القصص الخفية؟ معظم القصص رواها بنفسه وعلى لسانه.
 هل بدافع الحنين؟ إذًا لماذا لا أعود إلى الشخص الذي أحنّ إليه مباشرة، بدلًا من نسخة تحاول التشبه به؟

وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: من هو جمهور الفيلم أصلًا؟

أظن أن الذين عاشوا ظاهرة مايكل جاكسون الحقيقية، تلك الظاهرة التي لم يسبقها شيء ولن يتكرر مثلها على الأرجح، من أبناء جيل البومرز والملينيالز، شعروا بالحنين فعلًا، لكن الفيلم لم يرضِهم، لأنه لم يقترب حتى من حجم اشتياقهم لمايكل، لفنه، ولحياته بكل تناقضاتها.

أما الجيل الذي لم يعاصره، مثل جيل الـGen Z، فأظن أن الفيلم نجح معه إلى حد بعيد. بل أعتقد أن الهدف الأساسي من الفيلم كان دعائيًا في المقام الأول؛ فالعائلة هي المتحكم الرئيسي في المشروع، وغايتهم الواضحة هي إعادة تقديم مايكل للأجيال الجديدة، ودفع الشباب الذين لم يعيشوا “ظاهرة مايكل جاكسون” إلى الاستماع لأغانيه من جديد. وفي هذا تحديدًا، أعتقد أنهم نجحوا نجاحًا ساحقًا، وسيحققون من وراء ذلك أرباحًا هائلة.

وربما تكمن الأزمة الأساسية في تقديم فيلم عن مايكل جاكسون في أن مايكل نفسه قضى حياته كلها يصنع صورته بيده. لم يكن مجرد فنان تُلتقط له الصور أو تُكتب عنه المقالات، بل كان مشروعًا بصريًا كاملًا يتحكم في تفاصيله بنفسه؛ صوته، ملابسه، طريقته في الكلام، حركاته، وحتى غرابته. كل ظهور له كان أقرب إلى “عرض” مدروس أكثر من كونه لحظة عفوية. ولذلك يبدو غريبًا أن يأتي فيلم بعد وفاته ليحاول إقناعنا بأنه يكشف “الحقيقة”، بينما الحقيقة الوحيدة المؤكدة عن مايكل ربما تكون أنه كان يعرف دائمًا كيف يريد أن يراه العالم.

كما أن الفيلم يتجنب لمس واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا في شخصية مايكل: علاقته بجسده. جسده لم يكن مجرد أداة للرقص والغناء، بل كان ساحة صراع كاملة؛ تغيّر الملامح، وتغيّر لون البشرة، والنحافة المفرطة، والألم الجسدي، والإدمان على الكمال، والرغبة المستمرة في إعادة تشكيل نفسه. وربما لهذا يبدو تقليده مستحيلًا؛ لأن الناس لا تتذكر مايكل كإنسان عادي يؤدي على المسرح، بل كجسد خارق يتحرك بطريقة لم ينجح أحد في استنساخها حتى اليوم. أتذكر همساتي أنا وصديقي أثناء مشاهدتنا للفيلم متسائلين: “هو مايكل وقت أغنية Dirty Diana كان أبيض ولا لسه”!.

كما يصعب فصل الفيلم عن موجة الحنين الرأسمالي التي تسيطر على الصناعة الفنية حاليًا. لم تعد الشركات تبيع الأعمال الفنية فقط، بل تبيع الذكريات نفسها. الحنين أصبح منتجًا كاملًا: إعادة إصدار الألبومات، والجولات الافتراضية، والأفلام، والقمصان، والمقتنيات. وفي هذا السياق يبدو الفيلم وكأنه محاولة لإعادة تدوير صورة مايكل للأجيال الجديدة أكثر من كونه محاولة حقيقية لفهمه أو الاقتراب من تناقضاته.

وهناك أيضًا فارق مهم بين مشاهدة مايكل في زمنه، ومشاهدته اليوم داخل فيلم سينمائي. في السابق، كان ظهوره على التلفزيون أو على MTV يبدو كحدث استثنائي لشاب متفجر الموهبة أسمر البشرة، وكأن شخصًا غير حقيقي قد خرج للحظة من عالم آخر. أما الفيلم، فيحاول أن “يؤنسنه” ويجعله مفهومًا وقابلًا للتفسير. لكن ربما كان جزء كبير من سحر مايكل قائمًا أصلًا على أنه لم يكن قابلًا للفهم الكامل، وأنه ظل دائمًا أكبر قليلًا من أي تفسير جاهز.

لكن هل عائلته فعلًا هي الأقدر على سرد قصته؟ إجابتي القاطعة، والتي يعرف الجميع أسبابها، هي: لا.

الفيلم يبدو كمحاولة واضحة لتلميعه وإعادة تقديمه بوصفه ضحية خالصة، ردًا على الاتهامات التي لاحقته لسنوات. وهي اتهامات، رغم حبي الشديد له، لا أستطيع تجاهلها تمامًا، وقد أثّرت بالفعل على صورته ولو بشكل طفيف لديّ ولدى كثيرين حول العالم. ومع ذلك، يمكن القول إن الفيلم نجح نسبيًا في تحسين هذه الصورة.

ومن دون أي خجل، يستعير الفيلم القالب الجاهز نفسه الذي استُخدم في أفلام السيرة الذاتية الناجحة مؤخرًا، مثل Bohemian Rhapsody وRocketman وBetter Man. والمثير أن هذه الأفلام جميعها، بما فيها فيلم مايكل، تتشارك العقدة ذاتها تقريبًا: الأب بوصفه الخصم الرئيسي، وقسوة الأب أو غيابه باعتبارها الجرح المؤسس لشخصية البطل المُعذب وتوثيق رحلته ليتفوق على هذا الجرح.

حتى إنني ظننت في البداية أن اختيار عنوان الفيلم “مايكل” بدلًا من “مايكل جاكسون” كان محاولة ذكية تعكس مكانته الاستثنائية. فالأمر يشبه، على نحو معكوس، ما يحدث مع الاسم الأكثر شيوعًا في العالم العربي: “محمد”. لكثرة تداوله، نضطر إلى تمييز حامله باسم الأب أو العائلة؛ فيصبح “محمد جمعة” مجرد “جمعة”، و”محمد أشرف” مجرد “أشرف”. أما اسم “مايكل”، فهو شائع بالقدر نفسه تقريبًا في الثقافة الغربية، لكن هناك شخصًا واحدًا فقط أصبح اسمه الأول كافيًا للتعريف به. يكفي أن تقول “مايكل”، فيعرف الجميع أنك تتحدث عن مايكل جاكسون.

لكن بعد مشاهدة الفيلم، بدأت أعتقد أن المقصود بالعنوان لم يكن هذه المكانة الأسطورية بقدر ما كان شيئًا آخر أكثر مباشرة وأقل ذكاءً. فوفقًا للرؤية التي يتبناها الفيلم، يبدو أن “مايكل” لم يصبح “مايكل” إلا بعد أن تحرر من قبضة “جاكسون”؛ أي من سلطة والده، جو جاكسون، الذي يقدمه الفيلم باعتباره الشر المطلق والثعبان الأكبر في حياته. وكأن رحلة البطل كلها تختزل في الانتقال من “جاكسون” إلى “مايكل”، من الابن المقهور إلى الفرد المتحرر.

قراءة تبدو، في رأيي، سطحية إلى حد محرج، وبائسة إذا ما قورنت بحجم التعقيد الحقيقي في حياة مايكل جاكسون، الذي لا يمكن اختزاله في صراع واحد، أو في خصم واحد، أو حتى في أب واحد.

أداء جعفر جاكسون فكان مبهرًا بحق، وكان واضحًا حجم التدريب والعمل الذي بذله لسنوات. أداؤه متقن للغاية، ولا أظن أن أحدًا كان يمكنه تقديم الشخصية بصورة أفضل منه. لذلك فالأزمة ليست في الأداء إطلاقًا، بل في المعالجة نفسها، التي بدت سطحية إلى حد أن الفيلم بالكاد امتلك “معالجة” حقيقية.

كذلك كان أداء كولمان دومنجو متقنًا كالعادة، رغم الفروق الشكلية الواضحة بينه وبين جو جاكسون، والد مايكل، وعلى رأسها الطول. ومع ذلك، استطاع أحيانًا بنظراته وحدها أن يقنعني بأنه ذلك الثعبان نفسه.

وبعد سنوات طويلة من التحضير للفيلم، يصبح من المثير للتأمل أيضًا التفكير في الأشخاص الذين رفضوا المشاركة فيه، وما الذي يقوله ذلك عن المشروع نفسه، مثل ديانا روس وإليزابيث تايلور وجانيب جاكسون شقيقته الأقرب إليه.

والأغرب من ذلك كله أن تحكي قصة مايكل جاكسون دون أن تتطرق فعليًا إلى الجانب المظلم من الهوس. فمايكل، في رأيي، ربما يكون أكثر الفنانين هوسًا في التاريخ؛ هوس بالكمال تمثل في أكثر من صورة: هوس بالعمل، وبصورته، وبشكله، وبالنجاح، وبحب الناس له. وهذا الهوس تحديدًا هو ما صنع أسطورته، وهو نفسه ما قاده إلى تعاسته، وربما كان أحد الأسباب غير المباشرة لوفاته.

هناك أيضًا شعور واضح بأن الفيلم “مؤدب” أكثر مما ينبغي، وكأنه يخشى الاقتراب الحقيقي من فوضى مايكل وتعقيده. حتى لحظات الألم والانهيار تبدو مصقولة ومرتبة بصريًا وعاطفيًا، بينما كانت حياة مايكل في حقيقتها مليئة بالتناقضات، والخوف، والعزلة، والهوس، وربما القبح أحيانًا. لكن الفيلم يتعامل مع هذه الجوانب بحذر شديد، كأن الهدف ليس الاقتراب من الإنسان فعلًا، بل حماية صورة النجم. والمفارقة أن هذا “القبح” تحديدًا، بكل ما فيه من ارتباك وإنهاك وتشوّه نفسي، كان جزءًا أساسيًا من قصته، وربما ما جعلها إنسانية إلى هذا الحد.

ورغم أن مايكل جاكسون كان ربما أشهر إنسان على الكوكب في فترة من الفترات، فإن حياته تبدو، عند تأملها، شديدة الوحدة بشكل مؤلم. كل الحشود التي صرخت باسمه، وكل الجماهير التي أغمي عليها في حفلاته، لم تمنع ذلك الإحساس الطاغي بأنه شخص معزول عن العالم الحقيقي. وربما كانت هذه واحدة من أكثر المفارقات الدرامية إثارة في شخصيته: كيف يمكن لإنسان يحبه الملايين أن يبدو عاجزًا تمامًا عن بناء علاقة إنسانية مستقرة وطبيعية؟ الفيلم يمر على هذه الوحدة سريعًا، بينما كان يمكن لها أن تكون مدخلًا حقيقيًا لفهمه.

كما يبدو الفيلم خائفًا من الغموض، مع أن الغموض كان العنصر الأهم في حضور مايكل نفسه. كل شيء فيه كان يطرح الأسئلة: صوته الطفولي، وملامحه المتغيرة باستمرار، وطريقته الهادئة في الكلام، وبيته الغريب، وعلاقته بالأطفال، وحتى إحساس الناس بأنه لا ينتمي تمامًا إلى عمر أو زمن أو هوية واضحة. كان دائمًا يبدو ككائن خارج التصنيف. لكن الفيلم، بدلًا من احتضان هذا الغموض، يحاول تفسير كل شيء وتقديم إجابات مريحة وسهلة، بينما جزء كبير من قوة مايكل وسحره كان قائمًا أصلًا على استحالة فهمه بالكامل.

ويصعب كذلك تجاهل فكرة “الطفل بيتر بان” التي ظلت تطارد مايكل طوال حياته. ليس فقط الطفل الذي حُرم من طفولته بسبب العمل المبكر والشهرة، بل أيضًا الطفل الذي بدا وكأنه يرفض مغادرة عالم الطفولة أصلًا. هناك شيء شديد الحزن في صورته: رجل بالغ يمتلك ثروة ونفوذًا وشهرة هائلة، لكنه يبدو عالقًا نفسيًا في مرحلة مبكرة من عمره، يحاول باستمرار إعادة خلق عالم أكثر براءة وأمانًا من العالم الحقيقي. وربما لهذا السبب تحديدًا ظلت صورته تثير ذلك القدر من التناقض؛ لأنه كان يتحرك طوال الوقت في منطقة ضبابية ومربكة بين الطفولة والنضج.

ومن المستحيل تقريبًا الحديث عن مايكل جاكسون دون التوقف عند علاقته المعقدة بالهوية والعِرق، وهي واحدة من أكثر النقاط التي يبدو الفيلم مترددًا في الاقتراب منها. مايكل كان فنانًا أسود نشأ داخل صناعة فنية عنصرية بشدة، وحقق نجاحًا غير مسبوق داخل عالم لم يكن يرى الفنانين السود بالطريقة نفسها التي يرى بها النجوم البيض. ثم جاءت تحولات شكله وملامحه ولون بشرته لتجعل صورته أكثر التباسًا وتعقيدًا. لم يعد الناس يناقشون موسيقاه فقط، بل صار جسده نفسه موضوعًا عامًا للتأويل والأسئلة والاتهامات. وهذه، في حد ذاتها، مأساة ضخمة كان يمكن للفيلم أن يتعامل معها بجرأة أكبر.

وربما لا تكمن المشكلة فقط في أن الفيلم لا يقول “الحقيقة”، بل في أنه يختار بعناية أي حقيقة يريد قولها، وأي حقيقة يفضل إخفاءها. فكل فيلم سيرة ذاتية هو، في النهاية، عملية انتقاء وإعادة ترتيب للوقائع، وليس نقلًا بريئًا للحياة كما حدثت فعلًا.

ولذلك يصبح السؤال الأهم هنا: من يملك حق رواية القصة؟ العائلة؟ الجمهور؟ الصحافة؟ الضحايا؟ أم الشخص نفسه؟ وفي حالة مايكل تحديدًا، يبدو هذا السؤال أكثر تعقيدًا من أي إجابة جاهزة.

كما يعتمد الفيلم بشكل واضح على القوة العاطفية الجاهزة في موسيقى مايكل جاكسون أكثر من اعتماده على أدواته السينمائية الخاصة. ففي كثير من اللحظات، لا يأتي التأثير الحقيقي من الإخراج أو الكتابة أو البناء الدرامي، بل من وقع الأغاني نفسها على الجمهور. أغنيات مثل “Billie Jean” و“Man in the Mirror” تحمل أصلًا ذاكرة جماعية ضخمة تجعل أي مشهد مصحوب بها يبدو مؤثرًا تلقائيًا. وهنا يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين إعجابنا بالفيلم نفسه، وإعجابنا المسبق بمايكل وموسيقاه.

وربما يدفعنا الفيلم أيضًا إلى سؤال أكثر قسوة: هل نحن فعلًا نحب الفنانين، أم أننا نحب فقط النسخ التي نستهلكها منهم؟ 

فالعالم أحب مايكل جاكسون بوصفه أسطورة، وصورة، وأيقونة ثقافية، لكنه بدا أقل قدرة على تحمّل وجوده الحقيقي كشخص معقد ومضطرب ومليء بالتناقضات. وربما كانت هذه إحدى أكثر المآسي قسوة في حياته: أن العالم أراد منه دائمًا أن يبقى “مايكل جاكسون”، ولم يسمح له أبدًا بأن يكون مجرد إنسان.

وفي النهاية، يبدو الفيلم أشبه بزيارة إلى متحف خاص بمايكل جاكسون أكثر من كونه محاولة حقيقية لفهمه. نشاهد الملابس الشهيرة، والرقصات المعروفة، والأغاني، واللحظات الأيقونية التي نحفظها جميعًا، لكننا نخرج في النهاية بالشعور نفسه الذي نخرج به من أي متحف: لقد رأينا الآثار، لكننا لم نقترب حقًا من صاحبها.

يمكن لأي شخص مشاهدة الفيلم والاستمتاع به، لكن دون أن ينتظر طرحًا فكريًا حقيقيًا، أو طبقات أعمق تتجاوز السطح اللامع المعتاد. ولهذا، أنصح بمشاهدة “الشيخ جاكسون” للمخرج عمرو سلامة، لأنه على الأقل يمتلك فكرة واضحة، وعمقًا إنسانيًا حقيقيًا، ويتناول تجربة عاشها كثيرون من أبناء جيلنا.

ربما يحمل الجزء الثاني من فيلم Michael بعض الأمل، خصوصًا أنه سيتناول المرحلة الأكثر اضطرابًا وتعقيدًا في حياته، المليئة بالمحطات القاتمة والمشحونة دراميًا. لكن، وبصراحة، إذا تولى الفريق نفسه تنفيذ الجزء الجديد، فلا أظن ذلك على الإطلاق.

وربما تكمن مشكلة الفيلم الأساسية في أنه يحاول تحويل أسطورة إلى إنسان عادي، بينما كانت مأساة مايكل جاكسون الحقيقية أنه لم يُسمح له يومًا بأن يكون إنسانًا عاديًا أصلًا. بعض الشخصيات لا تصلح للسيرة الذاتية، لأنها تجاوزت منذ زمن حدود “السيرة” نفسها، وتحولت إلى شيء أقرب للأسطورة الجماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *