بنات بس! – مراجعة بنظرة نسوية لفيلم صبيان وبنات -هاجر عبد الماجد

الملنيل

يأخذنا يسري نصر الله في فيلمه الوثائقي الأول في رحلة داخل مصر عام ١٩٩٥. يستهل الفيلم بمشهد لأسرة كبيرة تجلس في أرضها الزراعية “الغيط”، يستمتعون بأوقاتهم ويمارسون نشاطاتهم العائلية؛ مثل سماع الأغاني على الراديو، والتصفيق، والرقص، والضحك، وعلى جانب آخر أحدهم يشوي الذرة لتكتمل الجلسة.

يبدأ الفيلم بأسرة كبيرة، ثم يأخذنا المُخرج إلى تفاصيل كل فرد منهم. عدد صغير من الشباب، وعدد أكبر نسبيًا من النساء، تتحدث كل منهن عن زواجها وكيف أنها لم تختر زوجها، لكنها أيضًا لم تُجبر، وكأن هذا يوحي بأن “الشخص مناسب”. ما عدا واحدة فقط قاطعتهم قائلة: “أنا جوزوني ابن عمي؛ طلقوني منه بقى”، يليها ضحك من جميع النساء في الغرفة. لكن هناك اثنتين تزوجتا عن حب، إحداهما الست “أم باسم” التي كانت تتحدث عن زوجها ومدى وسامته وكيف بدأت بينهما هذه المشاعر.

لم أُدرك رؤية يسري نصر الله لتصوير هذا الفيلم “العادي” حتى هذا المشهد، ليس لأنه أول من ناقش القضية أو لأنها قضية مهمشة، ولكن لأنها حقيقية حدّ التناسي؛ أن النساء لم يخترن، ولم يعتبرن هذا إجبارًا!

رؤيتي لهذا الفيلم في عام ٢٠٢٦، وقد تم تصويره عام ١٩٩٥، تجعله ليس مجرد فيلم وثائقي عن حياة أسرة فقيرة في وقت لم تكن فيه الأفلام الوثائقية منتشرة بالشكل الذي يجعل يسري نصر الله يجازف بصنع هذا الفيلم، لكن رؤيته كانت واضحة وواثقة، مما جعل هذا العمل ناجحًا حتى الآن بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود.

استكمالًا للفيلم، كانت أعمار النساء في هذه المشاهد تتراوح بين منتصف الأربعينات حتى أوائل الخمسينات، مما يعني أن معظم الزيجات تمت في السبعينات، حيث كان من الشائع عدم إبداء رأي البنت في عريسها المستقبلي. لكن هذا لم يكن الحال مع أم باسم، إلا أنها في المشهد التالي تحاول أن تختار له عروسًا بنفسها، وتعرض عليه بعض الأقارب، منهن فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عامًا بينما هو في منتصف العشرينات.

لن أدين والدته، لكننا نستمتع بممارسة العادات دون استخدام تفكير منطقي أو إبداء رأينا، حتى وإن أُتيحت لنا الفرصة، وهذا تأكيد على أن الإنسان مرآة أهله.

في المشهد التالي يظهر الشاب باسم، يعرف نفسه بأنه “باسم سمرة”، شاب يبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، يعيش مع أهله في منطقة بمحافظة الجيزة منذ زواج أمه بأبيه وتركهم للبلد “بلقاس”. يعمل مدرسًا في مدرسة ثانوي صنايع، يقف بجسده النحيل وعيونه اللامعة ويحلم بأن يصبح ممثلًا.

ترى في هذا الشاب ممثلًا ناجحًا يقف هنا، لا يملك شيئًا سوى فيلمين يمثل جزءًا بسيطًا منهما، لكنه يملك ثقة وإصرارًا يجعلانك تدرك أنه سيصبح ممثلًا مشهورًا ذات يوم… وها نحن ذا.

طرح الفيلم عدة أسئلة لا إجابة لها، خاصة في هذا الوقت. القاهرة في التسعينات تعطي إحساسًا بأن الحياة بطيئة، لكنها ليست مملة، وكذلك الأسئلة وهوس الأشخاص بالزواج. مثل أم باسم، يأتي الحلاق ثم زميله في العمل بالإلحاح عليه بالزواج لأن سنه كبر، لكنه تصدى لأفكارهم المختلفة، وهذا ما يجعلك تراه فنانًا حقيقيًا يعرف ما يريد.

من رؤيتي الشخصية، فإن ازدواجية المعايير هي استحقاقية ذكورية منذ قديم الأزل، وهذا ما يعرضه المشهد بين باسم وأقرانه بالحديث عن الارتباط والزواج، وأن الفتاة لا يجب لها خوض علاقة قبل الزواج، بينما يسمح الرجل لنفسه بهذا.

رغم أن المونتاج لم يكن أفضل ما في الفيلم، ظل العمل حيًا، متنقلًا بين المناطق والأشخاص بطريقة سلسة، وهذا يجعلني أرى مصر في ذلك الوقت، كأننا نقلب صفحات ألبوم صور مرّ عليها الزمن؛ بعضها متكلم، والآخر غير مكتمل، والذكريات تكتمل هنا بأغنية “جفنه علّم الغزل”. جعلني هذا داخل ألبوم صور مسموع.

كل عمل وثائقي هو واقعي، لكن اختيار التفاصيل التي تظهر فيه هو خلاصة الأمر، مثل المولد. وسأقتبس من باسم هنا جملة: “تديني إحساس بالاطمئنان”. هذا ما يبعثه عليّ الفيلم؛ كونه متعمقًا في الثقافات المرئية والمسموعة، القديم منها والجديد. لا تمر الكاميرا مرور الكرام على حدث أو قصة، بل تعطي كل شيء مساحته حتى تستمتع بتفاصيله.

الحوار بين الأجيال غير مثمر، لكنه يوضح لنا تأثير دور الأهل. يظهر ذلك في علاقة باسم بأهله، وأهله بأهلهم. رحلة آسرة، ورغم فرق الأجيال إلا أنني عشت كل لحظة معهم، تأثرت بالرفض، وشعرت بالضيق لكبر الأحلام وضيق الدنيا.

من الأسئلة التي يطرحها الفيلم أيضًا “الحجاب”، وكيف انتشر فجأة رغم أن الأغلبية في البلد مسلمين ومسلمات. ليجيب باسم عن السؤال من وجهة نظره: “أن النساء يتحجبن خوفًا على أنفسهن من الفتنة، لأنه كان منتشر سفر الأزواج إلى الخليج في هذه الفترة”. هذه تجربة شخصية بحتة، لأن والدته فعلت هذا، على الأقل من وجهة نظره، وهذا لم يعطنا إجابة على السؤال، لكنه يعطينا رؤية عن تعميم الأشخاص لتجاربهم الشخصية والتعامل على أساسها.

لكن على الصعيد الآخر، تهاجم سناء، وهي إحدى المدرسات، الفتيات غير المحجبات، منهن أبلة حنان، حتى قامت بارتداء الحجاب هي الأخرى، كأي عادة مجتمعية تُفرض بالهجوم، غير مبالين بالفرض الديني كعادة مجتمعنا. أيضًا تم ربط الحجاب بالتحرش، وأن العفيفات لا يتحرش بهن، لكن هذه ليست الحال على أرض الواقع حتى الآن… لا علاج، مجرد مشكلة مطروحة تتطور مع التطور حد الجنون.

في النهاية، لا يبدو فيلم يسري نصر الله وثائقيًا عن أسرة بعينها، بقدر ما يبدو وثيقة عن مصر نفسها؛ عن أفكارها، وعاداتها، وتناقضاتها، وعن أناس لم يكونوا يدركون أنهم يسجلون للتاريخ. بعد أكثر من ثلاثين عامًا، لا تأتي قيمة الفيلم من كونه يجيب عن أسئلته، بل لأنه يكشف أن كثيرًا منها لا يزال حاضرًا كما هو؛ الزواج، والسلطة، والحجاب، والأحلام، وما نورثه لأبنائنا دون أن ننتبه. ربما لهذا يبقى الفيلم حيًا؛ لأنه لا يستدعي الحنين إلى الماضي، بل يدفعنا إلى النظر إليه باعتباره مرآة، لنكتشف أن الصورة التي نراها ليست بعيدة عنا كما نظن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *