ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
١٠ آلاف فرخة بيضا ع الصحراوي – مراجعة وتحليل لفيلم جنينة الأسماك – يوسف منيسي

تدور أحداث الفيلم حول يوسف، طبيب التخدير الذي يعيش في سيارته رغم امتلاكه شقة، ويرعى والده أستاذ القانون، ويحوم حول جنينة الأسماك لفترة طويلة. وليلى (هند صبري)، مذيعة الراديو التي تستمع إلى مشاكل الناس يوميًا دون التفاعل معها، وتعيش مع والدتها وأخيها. يفترق الثنائي، ويذوب كلٌّ منهما مجددًا في نسيج القاهرة الخانق.
تسبح كاميرا يسري نصر الله بخفة شديدة في حوض المدينة، لذلك يحرص دائمًا على أن تمتلئ خلفية المشهد بـ”السمك”، أو بمعنى أصح بأشخاص وأحداث وحيوات تستمر في التدفق حتى خارج مركز الكادر. كما أن شريط الصوت يدعم هذا الإحساس. يحكي الفيلم هنا قصة تعتمد على الوسيط السينمائي كليًا، وتحمل صورها في طياتها معاني عديدة، بحيث يصبح للشكل السينمائي دور أساسي في اللعبة التي يحاول مخرجنا دفعنا إلى التفكير فيها.
يحب كل من يوسف وليلى المراقبة. فيوسف يحب التنصت على مرضاه بعد تخديرهم، والاستماع إلى ما يبوحون به في حالة كهذه، ويجد عزاءً وغايةً في التلصص على قصص الآخرين دون التدخل أو الاقتراب منهم؛ فهو يشاهدهم من مسافة توفر له الأمان من التفاعل مع ما يسمعه.
يعيش يوسف وحيدًا. لديه شقة، لكنه لا يسكنها، وينام في سيارته كل يوم لأنه يهاب الاقتراب، ويفضل مشاهدة حوض السمك من بعيد على العوم بداخله.
يجسد عمرو واكد شخصية يوسف بحرفية شديدة، فرغم قلة كلامه، فإنه يعبر عن الكثير من مشاعر الشخصية بمجرد تعبيرات وجهه. يظهر على ملامحه الخوف والسخرية والانفصال والعزلة دون أن ينبس بكلمة.
بينما تعمل ليلى مذيعةً في الراديو، تستمع يوميًا إلى مشاكل الناس وتعيش داخل حكاياتهم دون التفاعل معها. تعرف ليلى من أين تؤكل الكتف في عملها؛ فهي تعرف متى تأخذ ما تريده وكيف تأخذه.
تعيش ليلى مع والدتها التي تنقم على برنامجها وتنتقده باستمرار، ومع أخيها المنعزل. نشعر دائمًا بالاختلاف بين ليلى المذيعة وليلى الإنسانة. فهي، كيوسف، تضع حاجزًا بينها وبين العالم، بل وتضع حاجزًا بينها وبين زكي (باسم سمرة)، وتستمع إلى العالم من خلال استوديو الراديو دون التفاعل معه.
تهوى ليلى مشاهدة عروض ترويض الأسود، ولكن بخوف شديد ومن المقاعد الآمنة للمسرح. يخبرها يوسف في مكالمته: “الفرق إن مروض الأسود في آخر النمرة بيحط راسه في بوق الأسد”.
تخبرنا ألفت، صديقة ليلى، أنها على الرغم من إصرارها على عرض قصة الإيدز، فإنها رفضت مقابلة أصدقاء ألفت المصابين بالإيدز والاستماع إلى قصصهم في الواقع أو محاولة إحداث أي تغيير.
يعيش كل من شخصياتنا في عالمه الخاص، بل وأحيانًا يخبروننا عن عوالمهم الخاصة في لحظات من التلصص يسمح بها عبر صوت الممثلين.

يحرص الفيلم على أنسنة شخصياته؛ أي خلق شخصيات لها دوافع ومبررات وأحلام وقناعات. يحاول يسري نصر الله خلق لغة حوار بين المشاهد والفيلم، مما يعمق تجربة مشاهدة فيلم كهذا. كما يحاول إشراك الجمهور في التفكير في شخصياته بوصفهم بشرًا يتحركون دائمًا داخل مساحة رمادية بين الصواب والخطأ، وبين الخوف والثقة، وبين الزيف والحقيقة.
لا يحكي الفيلم قصة خطية، بل ينتقل بين شخصيات عدة ثم يعود مرة أخرى إلى يوسف وليلى، قبل أن ينتقل مجددًا إلى شخصيات أخرى. يخلق ذلك سردية شديدة الحرية والابتكار، دفعتني إلى التساؤل عن قدرة اللغة السينمائية على خلق نوع من السحر لا يمكن خلقه بلغات فنية أخرى.
في قسوة مدينة مثل القاهرة، يجب على كل شخص أن يتحايل على الحياة للحصول على أبسط حقوقه، لكن يوسف وليلى يبقيان على مسافة من الحياة لحماية نفسيهما منها، ويتحايلان على قسوة العالم من حولهما من خلال حكايات الأشخاص الآخرين.
فتحت سماء المدينة يحدث كل شيء غير مباح؛ من عمليات الإجهاض والترقيع في عيادة الدكتور فهمي، إلى قبلات العشاق على الكورنيش أو في جنينة الأسماك وغيرها. تبدو المدينة كحوض أسماك يبدو من الخارج جميلًا، بينما تموت أسماكه في الداخل، مما يطرح تساؤلًا حول الوجه الزائف الذي نواجه به بعضنا البعض، والحقيقة المجردة التي يحاول الفيلم طرحها والتفاعل معها بشكل مبتكر.
عندما يتصل صديق يوسف، الدكتور شاهين (تميم عبده)، ببرنامج ليلى ويخبرها بهوسه بالمكالمات الجنسية عبر الهاتف، تخبره ليلى أن يحاول الابتكار في علاقته مع زوجته:
«محاولتش تعمل معاها زي ما بتعمل مع الباقيين؟»
يضحك يوسف بهستيرية، مما يغضب صديقه، فيسأله عمّا يخفيه، لكن يوسف يختبئ مرة أخرى خلف ستار المراقب.
ترتبك ليلى بعد اتصال يوسف، وكأنها تشعر لأول مرة بأن الحاجز الذي تضعه بينها وبين العالم بدأ ينكسر، وأنه أصبح بإمكان أحدهم أن يرى ما وراءه من خلال الاستماع إلى صوتها في حلقات البرنامج فقط. بعد ذلك تطلب من زكي (باسم سمرة) حذف ذلك التسجيل من الحلقة.
يتأمل يوسف تجارب الآخرين ويتخيل شعورها. حتى والده الذي يرعاه، حين يقول له:
«إيه اللي بتاكله ده؟ فراخ مسلوقة؟ ما تاكل حاجة عدلة… لسان، مخ، لحمة راس، كبدة جملي».
نرى بعد ذلك يوسف يذهب إلى كرداسة ليأكل الكبدة الجملي، وكأنه يحاول اختبار تلك التجربة بنفسه.
يقرر يوسف أخيرًا دخول جنينة الأسماك. وبعد حوار مع أحد العاملين فيها يسأله:
«جاي تقابل حد؟»
فيجيبه يوسف:
«لا».
فيرد العامل:
«تبقى غاوي فرجة… تعالى أوريك منظر سبيشال».

يدخل يوسف الجنينة ليرى المكان الذي يختبئ فيه الناس من براثن المدينة، لكن عند اقترابه من حوض السمك والنظر إليه ينفجر زجاج الحوض فجأة، لاستحالة البقاء خلفه للأبد.
يتقابل يوسف وليلى بعد ذلك صدفةً في عيادة الدكتور فهمي، عندما تذهب ليلى مع جارتها لإجراء عملية. وعند سماعها صوت يوسف ترتبك وتغادر مكانها، وكأن حوض السمك قد انفجر فجأة مرة أخرى.
يفتح يوسف الستارة ليرى ليلى، وبمجرد أن تنطق أول كلمة يعرف فورًا أنها هي.
«روحت جنينة الأسماك؟»
«وقدرت تخرج؟»
«مش عارف… لسه».
يعمّ الخوف عالم الفيلم، حيث يصعب إيجاد منطق للتناقضات التي تحيط بالشخصيات، مما يدفع يوسف وليلى إلى الانعزال كوسيلة دفاعية.
ويطرح الفيلم سؤاله:
ماذا لو انطلقت الفراخ البيضاء على الطريق الصحراوي؟
وماذا لو خرجت الأسماك من أحواضها؟
«تصوري حضرتك، عشرة آلاف فرخة بيضا بيجروا على الطريق الصحراوي».