ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
المشي على سطح الذاكرة – شهاب بديوي وعزمي

المشي على سطح الذاكرة.. خوف أن يبتلعك النسيان!
نص: شهاب بديوي
رسم: عزمي
لدي مشكلة معقدة مع الذاكرة. الصراحة، هي مشكلة كبيرة. لا أعرف يقينًا إن كانت بسبب عضوي متعلق بمرض الزهايمر، أم أن الأمر ضمن الآثار الجانبية للوسواس القهري!
المهم، أنني في النهاية ليس لدي في ذاكرتي الكثير عمّا حدث. وكنت سابقًا أحاول التذكر، وأبذل جهدًا مبالغًا فيه في ذلك، إلا أنني أدركت عدم فائدته، أو تستطيع القول إنني فقدت الأمل. لا أحاول بذل جهد في تذكر الأشياء الآن، بل أدع الأشياء تنساب من ذاكرتي دون مقاومة. يا لها من نعمة، نعم هي! إلا أنها من جانب آخر تجعلني عرضةً للانهيار. الموضوع كبير فعلًا، فكونك بلا ذاكرة تتشبث بالماضي يجعلك في خطر فقدان الهوية.
أرفض دائمًا الاقتناع بأنني سيئ الحظ، رغم العلامات الواضحة، إلا أنني أحاول في كل مرة التنقيب عن الجانب المشرق، وإن عجزت أقول: لله حكمة في ذلك. أكنني الخضر ناصحًا موسى عليه السلام.
أقول ذلك مقدمةً لما سأحكيه عن علاقتي بالأشياء، وبعد أن أوضحت لك أنني سريع النسيان إلى حد المرض. أقول إن الظروف نفسها غير مواتية للتذكر؛ فعلى سبيل المثال (أتذكر جيدًا!)، عندما تركت بيتنا وذهبت للعيش في بيت جدتي، عزلت أسرتي عن منزلنا القديم، وعندما رجعت بعد سبعة أعوام تقريبًا إلى بيتنا الجديد، كانت جدتي قد انتقلت إلى بيت جديد!
كذلك، عندما أنهيت المرحلة الابتدائية، تم تجديد مدرستي بالكامل، حتى تغيرت ملامحها التي أعرفها. وكذلك عندما أنهيت الإعدادية تم تجديدها، وكذلك مدرسة الثانوية. لا أعرف لماذا تلاحقني لعنة كهذه! لعنة تريد مني عدم الارتباط بأي مكان؛ فعندما أغادر تنمحي ملامح المكان سريعًا، ولا يبقى للشخص العادي وقتها إلا ما يحمله معه من ذكريات عن المكان، ولكن في موقفي هذا، حتى الذكريات لا أستطيع حملها. فهي سريعًا ما تسقط كأنها لم تكن.
خضت جدالات كثيرة، مثيرة للشفقة، مع أصدقائي لإقناعهم بأنني لا أتذكر، قسمًا بالله، ما يحاولون تذكيري به، ولا يراودني حتى الشك في أنني قد عايشت هذا الموقف. مع مرور الوقت، وبعد سنين كثيرة، اقتنع المقربون مني بأنني ضعيف الذاكرة، تمامًا كما أنني ضعيف البنية، ولم نعد نبذل جهدًا في ذلك. فعندما يحكي أحدهم الموقف بتفاصيله الدقيقة، لا ينبهر بأنني لا أتذكر، وأنا لم أعد أنبهر بأنني فعلًا نسيت.
عندما أخبرت صديقتي، الدكتورة النفسية، بذلك، وسألتها إن كان الأمر متعلقًا بالوسواس القهري أم لا، أخبرتني أنني يجب عليّ أولًا الذهاب إلى طبيب باطنة لكي نتأكد أن هذا العرض ليس سببه عضويًا. (ما علاقة النسيان بالبطن؟! أليس من الحكمة المفترضة أن أذهب إلى طبيب مخ وأعصاب؟!)
لم أذهب وتجاهلت الأمر. وقد تكون قارئًا ذكيًا لا تحتاج إلى تبرير ذلك، وقد تكون قارئًا حساسًا تحرص على معرفة سبب العلة، ولكن فكر في الأمر: ماذا لو أدرك شاب عشريني أنه مريض بالزهايمر؟ كيف سيتعايش مع ذلك؟ وكيف سيمكنه التعامل مع الأمور؟
لدي الآن، طالما أنا بعيد عن الإثبات العلمي من طبيب متخصص، العديد والعديد من التبريرات التي يمكن أن تهدئ أعصابي. فالجيل كله مصاب بلعنة النسيان بسبب سيئ السمعة (التليفون)، وبسبب تيك توك. والجيل كله ينسى لأننا أصبحنا نلاقي آلاف البشر والوشوش، وكذلك الأماكن. ونستمع إلى آلاف المحادثات، كتر خير العقل، على رأي جدتي.
تشير الأبحاث، أو هكذا قرأت، إلى أن كثيرًا من المصابين بالوسواس القهري لديهم ثقة أقل في ذاكرتهم، أكثر من كونهم يعانون من ضعف حقيقي فيها. أي أن المشكلة الأساسية تكون في الثقة بالذاكرة، لا في قدرة الدماغ على التخزين والاسترجاع.
وقد يكون هذا حقيقيًا. أحيانًا كثيرة كنت أتهم نفسي بأنني السبب وراء هذا النسيان، كوني كثيرًا ما أصف نفسي بذلك. فكأن العقل صدّق ما كنت أقوله، فبدأ ينسى فعلًا!
أم أن هذه حجة واهية أخبر نفسي بها حتى لا أقتنع بأنني أنسى فعلًا ومريض؟
لا يهم. المهم أنني أكتب هذا النص بعد أن شاهدت مقدمة الكرتون المفضل في طفولتي (Ben 10)، ومن الإعلان والموسيقى المصاحبة له استعادت الذاكرة شيئًا من أيام الطفولة، وسعدت بشكل طفولي لهذا التذكر، رغم أنني لم أتذكر سوى جلستي بالساعات الطوال أمام التلفاز دونما حركة، وصوت أمي العالي يصرخ بأن أبتعد قليلًا عن التلفاز. ولكن المبهر أنني شممت رائحة هذه الأيام؛ أيام الطفولة النقية الساذجة.
حذرتني أمي كثيرًا بأنني سوف أعمى بسبب قربي المبالغ فيه من شاشة التلفاز، وأخجل عندما أخبرك الآن بأنني أصبحت أرتدي نظارة للتخفيف من ضعف البصر. ولو أنني أكابر ولا أرتديها خارج المنزل، ولكن مؤخرًا أصبح من الصعب النظر إلى شاشة الهاتف دونها.
هل يكبر الإنسان هكذا فجأة؟ أم أنها لعنة النسيان؟ هل يمكن أن يبتلعني النسيان؟ سؤال يعبر عن قلق داخلي لا أعرف له مسكنًا. ولكنني أستطيع أن أخبرك كيف يعيش إنسان بلا ذاكرة؟
من يعرفني جيدًا (في الغالب مقال لن يقرأه إلا هم)، سيعرف أنني شديد التعلق بالأشخاص: بأهلي وأصدقائي، ومن أحبهم عمومًا. ولكن تعلقي بالأصدقاء ينم عن علاقة متينة معهم. ولكن، ورغم شخصيتي الحالمة شديدة التعلق، لا أشعر بالحزن المفترض في لحظات الوداع؛ سواء كان وداعًا أبديًا بموت شخص أحبه، أو بالفراق. وقد فارقت أصدقاء مقربين، وفتاة أحبها، وأحلامًا تعلقت بها، ولم أجد في أي لحظة من هذه اللحظات بداخلي شعورًا يناسب هذا الفراق، ويناسب حجم مشاعر الحب والتعلق التي أكنها للأشخاص. هذا الأمر أدهشني في أول مرة، ولم أعرف له سببًا، وقد كدت أشك في حبي وحقيقة مشاعري تجاه الأشخاص، لولا أنني بالفعل في وجودهم أكون شديد التعلق بهم. وانبهاري هذا لم يخفت بعد تكرار الأمر. يقولون: إذا عُرف السبب بطل العجب. وأنا لم أعرف سبب ذلك حتى الآن، قد يكون ذلك هو السبب في الانبهار الذي يجتاحني في كل مرة.
والأمر يتخطى الأشخاص والتعلق، فأنا لا أجيد التواصل مع أحداث الماضي. فلا أعرف كيف أتذكرها، ولا أعرف كيف أستعيدها. فهي إذا ما مرت على ذاكرتي باغتتني كأنها المرة الأولى. وكأنني في سعادتي بها كشخص عثر على تسجيل فيديو ليوم ولادته. أو يوم زواجه! وعندي بعض الذكريات الجميلة لا ترحل عن جيب الذاكرة، لكنها كعنوان الدرس العريض على سبورة فارغة، لا أستطيع رؤية تفاصيلها.
ومشكلة أخرى مع الذاكرة؛ وهي أن لدي بعض الذكريات التي لا أعلم يقينًا إن كانت قد حدثت بالفعل أم لم تحدث.
فهناك بعض المشاهد التي عندما أسردها على الطرف الآخر الذي كان معي فيها، لا يتذكرها أو يتذكرها بتفاصيل مغايرة. وبعض المشاهد الأخرى، عندما أذكرها ويتذكرها الطرف الآخر كما حكيت، أشعر أنها مجرد كذبة تواطأنا على تصديقها سويًا دون اتفاق.
ولكن إذا ما نظرنا إلى الجانب المشرق من الحكاية، سنجد أن شخصًا بلا ذاكرة هو شخص يعرف جيدًا كيف يعيش اللحظة الحالية، ويقدر جدًا ما يحدث أمامه الآن، دونما أي تشتت. كذلك يكون شخصًا حريصًا على حاضره، فهو كل ما يملك، وحريصًا على أن يكون سعيدًا الآن، لأنه كل ما يتذكره. حريصًا على من هم معه في هذه اللحظة. ومنها، فهو قادر على العطاء بسخاء، كونه يراهم، في هذه اللحظة، أقرب المقربين.
ولكن، هل يمكن أن يفقد الإنسان هويته فعلًا؟ وما الذي يترتب على فقدان الشخص هويته؟ هل سيهتم به المقربون؟ وهل سيبقى حوله أصدقاء؟ هل هو قادر على الحب؟
رغم محاولات الإطاحة بالأفكار السيئة، إلا أن الحقيقة الواضحة الآن هي أن شخصًا بلا ذاكرة سيكون قدره أن يموت وحيدًا، منعزلًا حتى عن ذاته وهويته. (يا لها من موتة طيبة، حيث لا يتذكر حينها المرء ذنوبه وخطاياه).
بعد كل هذا، يبدو أنه اتضح لي، بعد كتابة هذا النص، تفسير كلام قلته لنفسي عندما احترت بشأن عملي في الكتابة والسينما معًا، وأيهما أفضل؛ فصناعة السينما شيء أحب فعله، أما الكتابة فهي جزء من هويتي. (لعل تفسير ذلك أنني أنظر إليها كذاكرة بديلة).
وربما لهذا أكتب. لا لأقاوم النسيان، فلعلي لن أستطيع هزيمته، وإنما لأترك لنفسي أثرًا أعود إليه كلما ضللت الطريق. فإذا ابتلع النسيان ذاكرتي يومًا، فلربما كلماتي تذكرني أو تتذكرني.