ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
منيرة وأميرة وسميرة – إنجي فوده وآية شوقي

“لو الحياة مفيهاش ورق هنسجل إزاي؟”
٣ كراسات ومقلمة. واحدة للمهام اليومية، وواحدة لتدوين الخواطر، والأخيرة لتدوين الأفكار والإلهام.
٣ أخوات: منيرة، وأميرة، وسميرة، لا يفارقن سلمى.
السنة الأولى:
أميرة:
المقابلة…
أنا مبسوطة وحاسة إن الدنيا مش سيعاني من الفرحة. أخيرًا أحمد اعترفلي بحبه. تفتكري هنكمل يا أميرة؟؟
ياه، لو كمان كام شهر كده ييجي يقابل بابا. عايزة شقة في المعادي، ويا سلام لو فيها جنينة. وعايزة فرح على البحر، وهعزم فيه مصر كلها. وشهر العسل نلف أوروبا، أو كده كتير بصراحة، ممكن نروح إيطاليا بس، وكمان كام سنة نبقى نلف أوروبا براحتنا.
السنة التانية:
سميرة:
بما إن أحمد بيدوّر على شقة أحلامي في المعادي، أنا عندي فكرة بمليون جنيه.
أنا هفتح مكان في جزء من الجنينة، منه أعرض مكتبتي للجميع، ومنه نبيع ورد وقهوة، أهو نجمع قرشين يساندونا وقت عوزة.
تفتكري أحمد هيلاقي البيت بسعر كويس؟ ولو لقاه، هيوافق على فكرتي؟
السنة الرابعة:
*مش السنة التالتة عشان مفيش حاجة ماشيه مظبوط.. فليه هنهتم بالترتيب!
منيرة:
- أكلم النقاش والسباك
- أبعت الـ CV
- حجز مع السواق لسفرية دمياط مع ماما
- كتابة ليستة العفش المطلوب من دمياط
- الاتفاق مع عم محمد لنقل العفش لمدينة نصر
في السنة الرابعة، شنطة سلمى ضاعت وهي بتنقل العفش لمنزل الزوجية، وضاع معاها حلم بيت المعادي، والمكتبة، وشهر العسل. ومهامها اليومية مبقتش ملكها، بقت شيء مشترك مع أحمد.
فضلت سلمى كل يوم تقول إنها محتاجة تجيب ٣ أخوات جداد، لحد ما عدى سنين، وسلمى مبقتش ملك نفسها، مبقتش فاكرة أحلامها ولا أفكارها.
وبعد فرح بنتها الأخيرة، البيت فضي عليها، وأحمد شبه مش موجود. ابتدت تلاحظ إنها بقالها 28 سنة مش فاكرة أي شعور حست بيه غير في أيام محدودة: يوم ما ولدت مريم وعلي، يوم فرحها، يوم وفاة باباها، وأفراح ولادها الاتنين.
لكن مش فاكرة أي مشاعر يومية كانت بتهوّن عليها حياتها. مبقتش فاكرة أول مرة تجرب مشروبها المفضل حست بإيه، ولا فاكرة آخر يوم ليها في الشغل حست بإيه، ولا حتى فاكرة هي كانت بتحب أحمد ليه.
ومبقاش في دماغها غير سؤال واحد: هي الناس بتسجل إزاي من غير ورق؟ يمكن بيسجلوا بالصور والفيديو؟ بس إزاي هيفتكروا شعورهم تجاه المنظر المحدود في مربع قدامهم؟
وساعتها لاحظت سلمى إن التسجيل مش حاجة مهمة غير عندها هي بس، أو بمعنى أصح كانت في يوم من الأيام مهمة عندها. وقررت سلمى ترجع تسجل تاني اللي باقي لها من حياتها.
بدأت تكتب حتى أبسط الحاجات اللي بتسعدها في أيامها: صوت العصافير الصبح، طعم القهوة اللي كان مميز بالنسبة لها، مشهد علم معاها في فيلم. ووقت ما بتحس إنها بدأت تنسى قد إيه حياتها فيها حاجات كتير حلوة في وسط الدوشة، بترجع تقرأ اللي كتبته وتفتكر.
السنة العشرون بعد العودة للكتابة مرة أخرى:
حاسة إن دي يمكن آخر مرة هكتب فيها. الشعور مراودني بقاله شوية، عشان كده مش بكتب بقالي فترة، محاولة مني لتأجيل القدر وتوقيف الزمن. لو دي آخر مرة فعلًا أكتب فيها، أتمنى جميلة حفيدتي تلاقي المذكرة دي بالتحديد.
إلى حبيبتي جميلة،
البيت هيفضل بيتك حتى وأنا مش موجودة فيه.
وصيتي ليكي تيجي كل جمعة الصبح وتفطري وتشربي القهوة هنا، كأني موجودة بالضبط. ولو نفسك تحكيلي حاجة، اكتبيلي جواب، وأوعدك هكون سامعاكي وحاسة بيكي. أنا مكنش ليا غيرك آخر كام سنة في عمري. مذكراتي كلها أصبحت ملكك.
اوعديني تسجّلي كل حاجة بتحسي بيها. كتبي وأنا صغيرة موجودة في أوضتي في بيت بابا، هتلاقي المفتاح في الظرف مع الجواب ده. الكتب دي بقت ملكك دلوقتي. إنتِ عارفة إن من يوم ما اتجوزت وأنا نفسي أنقلها هنا؟ متعمليش زي ما أنا عملت وتخلي الدنيا تشغلك عن الحاجات الحلوة الموجودة فيها. متضيعيش حياتك من غير ما تحسي بيها.
أشوفك على خير.
تيتة سلمى.
اتقهرت جميلة بعد وفاة سلمى، بس حققت وصيتها. بس بما إن جميلة عمرها ما حبت الكتابة، قضت عمرها كله بتسجّل صوت وحكاوي سلمى كل جمعة الصبح، وهما بيشربوا القهوة. ومن ساعة وفاتها، وهي كل جمعة بتروح تشرب القهوة هناك وتشغّل صوت سلمى، وبقت تشتغل ليل نهار بقية الأسبوع لحد ما حوّشت واشترت بيت في المعادي، وحوّلت جنينته مكتبة باسم سلمى، وعملت مشروع نادي التسجيل.
بتجمع المشتركين يوم الجمعة بعد الظهر، بعد ما تشرب قهوتها في بيت سلمى، وبتقرا لهم أو بتسمعهم حكاية من حكاوي سلمى، وبيقعدوا يكتبوا، يرسموا أو يسجّلوا سوا. وبسبب النادي، قابلت جميلة حب حياتها وليد، وقدرت معاه تحقق اللي سلمى مقدرتش تحققه.
بس بعد فترة لاحظت حاجة… لاحظت إنها عايشة لسلمى مش ليها. بتحقق أحلام سلمى، وبتسجّل عشان سلمى، ونسيت نفسها زي سلمى برضه. وتسألت: هل دي وراثة؟ ولا محاولة سخرية من القدر؟
بس هنقول إيه بقى… أصل آفة حارتنا النسيان.