أشعر أنني فهمته – فادي سامي ومصطفى سالم

الملنيل

 

 

دائم الرفع، خصوصًا في صغره. يكاد جسده يختفي حتى تراه. لا تتصور أن ذلك الشخص الرفيع الهزيل الجسد قادر على كل تلك العفرتة والعصبية، أو قادر على إدارة هذا الجمع. عيناه تفضحانه؛ يتخذ الأمر وقتًا طويلًا دائمًا، لكن عندما تعرفه يسهل أن تفهم ما يريد أن يقول بنظرة من عينيه. إن أرادك أن تبكي، يكفي أن ينظر إليك فقط، بتلك النظرة المنهزمة، نظرة “قناوي”.

على عكس “قناوي”، كان شعره دائمًا مرتبًا ومهندمًا. يرتدي القميص ويرفع الأكمام حتى تتجاوز كوعيه، وفي الشتاء يرتدي الصديري، وفوقه جاكيت البدلة أحيانًا. دائمًا ما انبهرت بصوره عندما كان صغيرًا؛ أين تلك الحسنة الضخمة في منتصف جمجمته كالرصاصة؟ لم تبرز إلا عندما كبر وشاخ فقط. كان يرتدي النظارة دائمًا؛ لم يرتديها “قناوي”، ولكن ارتداها “يحيى”، وظل يرتديها إلى الأبد. في سنواته الأخيرة، وبفعل المرض والشيخوخة، ازداد وزنه كثيرًا نسبتًا إلى ماضيه. لم أره بذقن أبدًا؛ كان دائم الحلاقة.

ترتعب منه عندما يغضب، ثم تشعر أنك تريد أن تحتضنه عندما تنظر في عينيه. لا تستطيع الغضب منه. وديع كالأطفال، ومتقلب مثلهم. يتأتئ، ولكن فقط عندما لا يجد من يفهمه. أتساءل إن كان قد وجد في أي وقت من يفهمه. لم نتقابل من قبل، ولكنني أشعر أنني فهمته.

“روحي روحه، وروحه روحي.

إن شاء شئت، وإن شئت يشاء.”

قرين من نوع ما.

أتخيله دائمًا بجانبي، يتابعني بنظرته الثاقبة وفمه المفتوح. لا يتكلم، بل ينظر، يحاول أن يفهم كما يفعل دائما: في علاقات الحب الفاشلة، في المحاولات السينمائية القصيرة، في كل سقطة، وكل تحد. أجده، وأحيانا أطلب العون منه. وأحيانا آخرى – بل كثيرا – نتشاجر. له وجود ثقيل رغم ذلك، وجود الأب وسلطته. أتشاجر معه، ألفظه، أتبرأ منه، ثم أعود إليه، ودائمًا لديه ذلك القلب الرقيق، مثل الورد؛ يتحدث معي حتى يبتلعني برقته.

لم أشاهد “إسكندرية… كمان وكمان”. مرة واحدة، بل مرات، في فترة ما بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة. في ذلك الوقت عرفت شاهين، وافتتنت به، وقررت أن أحب الأفلام بمجملها، وأن أعيش من أجلها. الآن أنا في الحادية والعشرين من عمري، قد لا يبدو فارق السن كبيرًا، لكنني بالتأكيد لست الشخص نفسه الذي كان في الرابعة عشرة حين عرفت شاهين أول مرة.

مع الوقت كبرت، وكذلك حبي للفيلم. أول مرة شاهدته لم يكن من مفضلاتي، لكن كلما كبرت ازداد قربي منه. كنت أتواصل معه بنشاط أكبر. كثيرا ما أتذكر جملا من نصوصه أو من “هاملت”، الرواية التي لم أعرفها قط إلا من خلال عينا شاهين وقراءته لها وأداءات ممثليه لتلك الروح التائهة مثلي تماما.

في الأزمات يأتيني شاهين صائحا: “حب؟ يا ويل الكوروديا اللي يقع فيه”.

عصبيته، وصياحه في “عمرو” في أول الفيلم، وهو متوتر غير مصدق بأنه سيتركه: “هتمثله غصب عنك.. إنت ماضي عقد”.

صرخة “هاملت” التي سمعتها في أول الفيلم، تلك الصرخة ضد الدنيا كلها، التي يتكرر معناها مع كل وقت: “أمن الأنبل للنفس أن يصبر المرء على الدهر المفجع وسهامه، أم يشهر السلاح على بحر من الهموم؟”.

“خد عينيا وشوفه بيها راح تلاقيه جواك جميل”.

أرى الجمال، لأنه علّمني أن أراه. لأول مرة في حياتي أعترف لشخص بحبي كانت بعد أن انتهيت من مشاهدة الفيلم. كنت متوترا وأشعر بالحاجة للكلام والاعتراف وإلا سأنفجر إن حبست كلماتي.

قلت.. اعترفت، وكل شئ تحول بفعل معجزة إلى الأفضل بشكل مفاجئ، كأن أفضل ما في عمري كان دوما يحمله لي هذا الفيلم.

منذ وقتها تعلمت واقتديت بـ “جو”. أقول لمن أحبهم أني أحبهم، بدون خجل.. بنعومة ورقة أترجم قلبي لورد ليصبح له لسانا.. لساني.

مع مرور الوقت، أصبحت مؤمنا أن في شيء ما يربطني بشاهين، وبين شاهين وهذا الفيلم. شيء يناديني دائما، في أوقات الحزن وأوقات الفرح. شيء يبدأ بجملة تتردد في ذاكرتي من الفيلم. أفتحه لأسمعها فأكمل كل الفيلم وأنهيه وأنا أشعر بالامتلاء.

ممتلئ بالحب الذي يتركه لي شاهين، وبالإرشاد الذي أوحى لي به، وبالطمأنينة أن العالم قد يصبح أفضل.

أنا هنا، شاهين هنا، والفيلم هنا، فبالتأكيد هناك أمل أن تصبح الأشياء أفضل.

عزيزي جو،

لم نتقابل، ولكننا تحدثنا آلاف المرات. وجدتك ككنز في صحراء قاتمة، ولم أعد وحيدا بعد الآن.

تفهمني وتساعدني، وأشعر أنني فهمتك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *