ملنيل ع الآخر
منصــــــــــة الكترونيـــــــــة تناقـــــــــش موضوعــــــات جيـــــل الملنــيل بنيــــــلة
تعمل إيه لو قابلت واحد من أجدادنا المصريين المُحنطين؟ – مانيفستو من ١٢ نقطة عن إزاي نتعامل مع المومياوات المصرية، النقطة السابعة ستبهرك
مانيفستو من ١٢ نقطة عن إزاي نتعامل مع المومياوات المصرية، النقطة السابعة ستبهرك!
تمت كتابة هذا المقال في ورشة كتابة بمصر، الورشة تيسير فاطمة الزهراء.
بالتعاون مع “ملنيل ع الآخر” و”آثارنا المتغربة” و “متحف وحدائق هورنيمان بلندن” لمبادرة “أنسنة الماضي”.
المانيفستو دا محاولة مصرية جماعية نقول فيها للعالم: إزاي تتعاملوا مع أجساد أجدادنا المُحنطة باحترام.
مش كقطع متحف، ولا كعجائب سياحية، لكن كأجساد بشرية كانت يومًا ما بشر من لحم ودم، ليهم أسماء وأحلام ومعتقدات وليهم أهل وأحفادهم المصريين المعاصرين.
المشاركات والمشاركون:
بسمة ناجي – كاتبة ومترجمة
فادي سامي – كاتب وبيحب الحاجات القديمة
مونيكا منصور – كاتبة
مينا فكري – مهندس معماري وفنان بصري
هاجر عبد الماجد – فنانة
توثيق: حسن يسري
شكرًا مدرار للفن المعاصر لاستضافتهم للورشة.

“خبر عاجل: سرقة قطع كبيرة من Stonehenge في إنجلترا، ونقلها إلى المتحف المصري الكبير”
أثر مهم؟ من أهم الآثار الإنسانية؟ مهم ثقافيًا وتاريخيًا واجتماعيًا؟
هتعمل إيه لو صحيت على الخبر دا؟
إحنا هنقولك من وجهة نظرنا.. ومن تجربة اللي اتسرق…
كتير من آثارنا المصرية القديمة اتنهبت، مش بس من حضارتنا، لكن كمان من حضارات عريقة تانية حوالين العالم. وطبعًا كلنا عارفين دا حصل إزاي وعلى يد مين. يمكن اللي عملوا كدا في وقت من الأوقات يبقوا أجدادك المباشرين.
إن مكنش في ماضينا رفاهية سطوة إننا نكون في دور “المستعمِر”، للأسف في الرواية دي، كنا الشخص اللي اتنهب واستُعبد واتعرض للإذلال.
وإن كان في حاضرنا النهاردا ما عندناش الكلمة العليا عشان نرجّع اللي اتسرق، على الأقل نقدر نقولكم: إزاي تتعاملوا مع المومياوات (زي ما بتسمّوها) باحترام. من أول ما تلاقوها، لحد ما تعرضوها.
أولًا: مسمهاش “موميا”،اسمها أجساد الأجداد/الأسلاف المُحنطة
“الموميا” مش أثر، الموميا إنسان، أو كانت إنسان ودلوقتي هي بقايا للإنسان دا.
إنسان كان له ماضي عظيم. وبحسب معتقداته، جسمه مهم جدًا عشان يوم ما روحه ترجع له في الحياة التانية. علشان كدا ابتكر المصري القديم التحنيط، ونجح في حفظ الأجساد آلاف السنين. وعلشان عظمة اللي عمله، اتسرق… وإنت لحد النهاردا منبهر بيه، وبتدفع فلوس عشان تتفرج عليه.
بس الحقيقة إن الفرجة دي إهانة. لأن هدف التحنيط ماكانش أبدًا العرض. كان تكريم للجسد، وتقديس لصاحبه، وتحضير له عشان يعدّي بيه لبوابات النهار والعالم الآخر. ولو الجسد دا ما رجعش لأرضه عشان روحه تلاقيه، مش هيبعث.
ثانيًا: اسمها الحضارة المصرية القديمة… مش الحضارة الفرعونية
“فرعون” هو لقب الملك، مش كل المصريين القدماء ملوك، الملوك /الفراعنة كانوا الأغنى، والأقوى واللي قبورهم مليانة دهب بيلمع. بس كفاية دهب. الحضارة المصرية ما كانتش كلها دهب، وما كانتش كلها أغنيا. لما أجدادكم اخترعوا كلمة “Pharaonic”، كانوا شايفين مصر من زاوية الدهب والأهرامات بس. كأن الحضارة دي هي الفراعنة وبس.
لكن الحقيقة أهم من الدهب: الإنسان. الناس اللي عاشوا وماتوا على الأرض دي. وبقاياهم اللي النهاردا بعيدة عن أرض ميلادهم. فهم دا وتقديره أهم بكتير من كلمة اخترعها الباشا الأبيض أبو برنيطة في القرن الـ ١٩.
ثالثًا: فكّروا في الموافقة
بنتكلم كتير عن الـ consent في حياتنا اليومية، اسألوا نفسكوا: لو الشخص دا كان حي، كان هيقبل يتعرض بالشكل دا؟
ولو حتى وافق على العرض، هل كان هيوافق يتعرض في بلد غير بلده؟
دي مش محاولة بائسة للاستعطاف. دي محاولة عشان نوصل لأرضية مشتركة، نفهم بعض حتى لو لغتنا أو ثقافتنا مختلفة. إحنا مش بعيد عن بعض أوي. لو فعلاً بتفكروا بمنطق وبتقولوا إنكم بتهتموا بحقوق الإنسان، يبقى لازم تفتكروا إن كل تابوت مجهول بالنسبالكم… جواه إنسان.
إنسان له شخصية، وليه رأي قاله زمان بكل الطرق: في الفن، في الكتابة، في العمارة. ولسه لحد النهاردا العالم كله بيتعلم منه.
رابعًا: الجثث مش معمل تجارب
الفحوصات العلمية مفيدة طبعًا، وأهلًا وسهلًا، لكن مش كل جثة لازم تبقى مشروع بحث عشان السيرة الذاتية الأكاديمية تبقى ثرية على حسابنا!
العلم تطور وينفع نلاقي طرق تانية تحترم الجسد وتدينا معلومات من غير ما تهين أو تستبيح الأموات.
خامسًا: بلاش أجواء السيرك!
حفلات فك اللفائف أوقات بتكون مهينة، وهي كفكرة أصلًا مهينة، فتح المقبرة مش زي قص شريط افتتاح مكتب ولا بيت. دا انتهاك لشخص ومعتقداته.
كمصريين بيكون عندنا فضول نعرف أجدادنا عملوا إيه وكانوا بيفكروا إزاى وبيعتقدوا ف إيه.
لكن تخيلوا معانا، لو جينا من مصر لبريطانيا العظمى وفتحنا مقبرة جدكم الباشا الأبيض وقعدنا نقلب فيها يمين وشمال وبعدين طلعنا التابوت بتاعه وعملنا حفلة ولمينا ناس وجبنا كاميرات ويالا كلنا نشارك في فتح التابوت دا والتقليب فيه.. هل دا عادي؟
حتى وإن كان الغرض التكريم والعرض وذكر مدى الأهمية والتطور وبناء الحضارة وأول حضارة وأكبر حضارة وخلافه، لكنه بشكل مجرد هو فعل عنيف ومهين إنسانيًا.

سادسًا: المصريين مش محتاجين إثبات نسب
الجسد المسروق مكتوب إنه مصري. ولو ما كانش مصري، ما كنش هيبقى له نفس القيمة عندكم. مش تقليل من أي حضارة تانية، لكن اعتراف بعظمة حضارة إحنا عارفين أصلها… وإنتوا كمان المفروض تكونوا عارفين.
ولو لسه مش عارفين، اجمعوا أصحابكم واعملوا زيارة سريعة لمصر. بس رجاءً… المرة دي متسرقوش حاجة!

سابعًا: كفاية فلتر أصفر
كفاية صحرا وجِمال وجلاليب وناس حافية، كفاية أفلام تطلعنا بشكل مشوه ومرعب. بقايا الأجداد مش “حاجة غريبة” ولا “أشباح” مرعبة هتصطاد أرواحنا، دول ناس عاشوا بيننا وتركوا حضارة عظيمة، يستحقوا الاحترام الكافي ليهم، وتمثيلهم لابد إنه يكون أبعد وأعمق من مجرد الشخصيات الكاريكاتيرية الغريبة.
ثامنًا: كفاية كليشيهات
“العراقة”، “الحضارة”، “الفخر الوطني”، “الأصالة”… الكلام ده خلاص اتقال كتير وبقى قديم، ومبقاش ياكل معانا، بقى بيضحكنا شوية الحقيقة.
الأجساد المُحنطة مش “موميا”، ومش مجرد “رمز”. دي بقايا إنسان قبل أي حاجة. إنسان عاش حياة كاملة: صارع، فرح، انتصر، انكسر… وفي الآخر مات. وماكانش في خياله أبدًا إن مصيره يبقى جوه فاترينة إزاز، والكهارب ضاربة في وشه طول مدة العرض.

تاسعًا: اسمعوا للمصريين
الأجساد المُحنطة للمصريين القدماء ليها أهل… والمصريين هما أهلها. وواجب إنكم تسمعوا لهم وتاخدوا صوتهم في الحسبان. ممكن رأينا يختلف عن اللي متعودين تسمعوه، لكن وجوده أساسي. وبلاش بقى النغمة بتاعت “أصلكوا مش عارفين قيمتها”.
لو في كتير مننا فقدوا الاتصال بجذورهم وامتدادهم التاريخي، فدا بسبب السنين اللي عشناها وإحنا بنستقبل روايتنا عن نفسنا من خلالكم: كمستعمر، ومن خلال تاريخ اتكتب كجزء من غنايم حروبكم المتكررة والمستمرة على الشعوب.
عاشرًا: النرجسية الاستراتيجية Vs التعاطف الاستراتيجي
هل السارق يقدر يتعاطف مع المسروق؟
لما تستبعدوا المنفعة المادية من سرقة الآثار المصرية، وتفضلوا تتبجحوا بحقكم في امتلاكها وتقرير مصيرها من موقع متعالٍ، بتشوفوا دا طبيعي. يمكن حتى شايفينه “مهمة إنقاذ” من أصحابها “الجهلة” اللي هناك!
بس الحقيقة إن دا لا أخلاقي بكل المقاييس. جربوا تحطوا نفسكم مكاننا: كقريب، أو نسيب، أو حد عنده صلة شعورية بصاحب الجسد اللي قدامكم.
أو حتى مكان الجسد نفسه، اللي كان مؤمن إن بعثه في العالم الآخر مش هيتم إلا لو نُودي باسمه، وخرج من أرضه. المعتقد ده ما اندثرش، ولسه عايش جوانا. إحنا هنا لما حد يغرق في النيل، مش بناخد عزاه غير لما جثته تطلع، وندفنه. ولو الجثة ما ظهرتش… في الغالب العزا ما بيتعملش.
دا بيوضح معنى “مجتمع نسب”، مش لازم يبقى نسب دم، لكن نسب ثقافي وشعوري ممتد. ودا بالضبط اللي بيربطنا بأجدادنا قدماء المصريين.

حداشر: احكوا الحكاية كاملة للكل
لو الآثار هتكون عندكم وبتتعرض في متاحفكم اللي أغلب محتوياتها مصرية أصلًا، فاللي يليق ويشجّع هو إننا نحكي إزاي الآثار والجثث وصلت عندكم أصلاً، الرحلة من التهريب للعرض في مكان غريب، لحد إن أصحاب الحق الحقيقيين مالهمش قوة أو صوت ييجوا يحكوا قصة أجدادهم.
اسألوا نفسكوا: إزاي وصلت الموميا عندكم؟ مين أخدها، وإمتى، وبأي طريقة؟، الناس ليها الحق تعرف قصة النهب والاستعمار كاملة. من المهم جدًا إن الزوار يفهموا سياق خروج الآثار من بلدها.
الحق في المعرفة والاعتذار العلني حق لأصحاب البقايا، مش مجرد حلول بتراعي مشاعر زوار أو تخفف إحساس الباحثين -اللي في الغالب غربيين- بالذنب. الحق واضح: الناس لازم تعرف، وأصحاب البقايا ليهم حق في اعتذار لائق ومُعلن.
اتناشر: عرفوا العالم السياق الأكبر
في سياق أوسع، المصريين القدماء كانوا جزء منه: غريزة الإنسان في البقاء والخلود. كلنا بنخاف نعيش ونمشي من غير ما نسيب حاجة تخلّي حد يفتكرنا. في ناس بتسيب اختراعات واكتشافات علمية، في ناس بتسيب أدب، موسيقى، أفلام، أو أعمال فنية. وأبسط طريقة الإنسان عرف بيها يسيب ذكرى كانت إنه يكتب اسمه على حجر: “هنا يرقد فلان”.
كل واحد اكتشف مقبرة أو عمل أبحاث عن المصريين القدماء، كان بشكل ما بيحاول يسيب أثر لنفسه، يبقى ذكرى في المجتمع العلمي. بس المفارقة إن دا بيحصل على حساب إنسان تاني مات، واتدفن، وكان عنده نفس الغريزة: البقاء والخلود. إنسان كرس حياته، وبنى حضارة كاملة حوالين فكرة البعث والخلود.
يمكن الكلام اللي اتقال هنا فيه حدة أوقات، أو شكله هجومي، بس في الآخر دي أصوات ناس اتكتم صوتها سنين طويلة تحت سطوة الاستعمار. هل دا معناه إننا بنطلب تعويض مباشر عن اللي حصل بسبب الثقافة الاستعمارية؟ أو إننا بنعلّق فشلنا أوقات في حماية تراثنا على الغرب؟ لأ. إحنا بس بنفتح تاني موضوع اتاخدت فيه قرارات تخصنا وتخص تاريخنا وبقايا أجدادنا، من غير ما حد يدعونا نشارك. زي ما في ناس نبشت في القبور علشان تستولي على حاجات مش من حقها، إحنا في المقال دا بنزيح التراب عن حقنا في إننا نحكي قصتنا بنفسنا.
القدماء المصريين كانوا متيمين بفكرة الخلود والحياة بعد الموت. فهل السرقة والعرض بعيد عن حضارتهم كان شكل الخلود اللي حلموا بيه؟ هل ده كان هدفهم أصلًا؟
في النهاية، إحنا لا شوفينيين ولا متعصبين. مش عايزين ندفن تراثنا ونمنعه عن باقي العالم. إحنا أصحاب حق اتسلب، وكل اللي طالبينه إن أجدادنا تُعامل باحترام زي أي حضارة تانية. التاريخ جزء مننا، وإهانته مش بتعكس غير نظرة فوقية وعدم تقدير. يمكن الكلام دا مايهمش ناس كتير، أو يبان مجرد فورة غضب. بس -حتى لو- في عز غضبنا الحقيقة بتبان: إحنا غيرانين على ماضينا، مقدرين قيمته، عشان نعرف نعيش حاضرنا ونبني مستقبلنا.
“الموميا” مش ملككم، ومش مجرد ملكنا برضه. هي قبل كل شيء إنسان.
إما تعاملوها بكرامة… أو رجّعوها تنام وسط أهلها.