الاكتئاب لا يمكنه إصابة هدف متحرك – إنجي فوده وعزة عبد المنعم

الملنيل

 

“الاكتئاب لا يمكنه إصابة هدف متحرك”

صحيت على صوت فيديو مهنّج في تليفوني وبيكرر الجملة دي. مش عارفة أنا نمت إمتى، ولا عارفة إحنا يوم إيه.

أنا مش بائسة، ولا مكتئبة، مليش الحق أكون أصلًا. عايشة برا، ومعايا فلوس تكفيني لحد ما أموت، ومتعلمة أحسن تعليم، ومخطوبة لشاب ناجح… حياة أي حد يتمناها.

بس برضه حاسه إن في حاجة غلط. هل محاولاتي للوصول للكمال فشلت؟ أصل إيه تاني ناقصني عشان يبطل يراودني الشعور إن في حاجة غلط؟

قررت أتجاهل الشعور وأنزل أجيب قهوة. قبل ما أنزل، جرس الباب رن. رحت أفتح، لقيت ظرف على الأرض. بصيت حواليّ، ملقتش حد، فأخدته وفتحته.

جواه تذكرتين VIP لعرض ستاند أب بتاع واحد اسمه دانيال سلوس، بتاريخ بكرة. مين ده؟ وليه باعتلي تذاكر؟ وكمان VIP؟

معنديش حاجة مهمة بكرا… على أساس كان عمري ورايا حاجة مهمة. ليه ما أروحش أشجّع شاب لسه بيبدأ، وبالمرة أغيّر جو أنا وكريم؟

مستحيل يكون اتبعتلي التذاكر دي مخصوص. أنا أكيد أخدت مكان حد بالغلط. وأنا اللي رايحة أشجّع شاب لسه بيبدأ؟ ده هو اللي يشجّع بلد بحالها… إيه الناس دي كلها؟

أول ما قعدت في مكاني، كريم بعتلي إنه مش هيقدر ييجي بسبب الشغل. مش حاجة جديدة، كنت متوقعة إنه هيعمل كده. قررت أقوم أروح، بس شكل الناس وعددها حسّسني إنه هيفوتني حدث تاريخي، فرجعت في كلامي وقررت أشوف العرض.

خلص العرض، ومن الصدمة مكنتش قادرة أتحرك من مكاني. إنت مين، وإزاي تقولي كده؟

حسّيت وقتها إني عرفت إيه اللي ناقصني عشان أبطل أحس إن في حاجة غلط… أنا ناقصني حياة. أنا ناقصني بازل.

في العرض، دانيال كان بيتكلم إنه لما كان صغير سأل باباه: إيه المغزى من حياتنا؟ وباباه شرحله إن كل واحد في أول حياته بياخد بازل وبيحاول يبنيها.

أنا عمر ما حد اداني بازل، ولا حد عمره طلب مني أبني حاجة. اتولدت لقيت حياتي جاهزة ومترتبة، مفيش حاجة تعبت عشانها، فمفيش حاجة بالنسبة لي ليها معنى.

علشان تبدأ تبني البازل، لازم تحدد أربع جوانب رئيسية، بعدها تبدأ تبني شوية بشوية لحد ما تبدأ ملامح الصورة تبان. ولو في قطعة مش في مكانها، الصورة هتفضل بايظة.

كريم… أول حد فكرت فيه. هو لو حياتي كانت فعل مش رد فعل، كنت هحب كريم يكون فيها؟ هو إمتى كريم موجود أصلًا؟

لو كان عندي بازل، هل كريم كان هيبقى قطعة فيها؟ هل أنا وكريم بنحب بعض، ولا بس مع بعض علشان نحافظ على المنظر الخارجي المتظاهر بالكمال؟

عدّى أسبوع من ساعة ما حضرت العرض، وكل يوم صوت الأفكار بيعلى، وشعوري بالانهيار بيزيد. أنا إيه اللي ودّاني العرض دا؟ التذاكر دي مش ليا. مين دا، وليه كل كلامه صح؟

كان في أكتر من ١٠٠ واحد في القاعة، لكن كنت حاسة إنه باصصلي أنا وبيكلمني أنا بس. للدرجادي أنا شخصيتي ضعيفة لدرجة إن واحد بيشبه الحياة بالبازل يعمل فيّ كل ده؟

طول الأسبوع بحاول اتفادى كريم على قد ما أقدر. النهاردا بس اللي مقدرتش أهرب. النهاردا في عشا مهم تبع شغله، ولازم أروح معاه.

لبست أشيك فستان عندي، واستنيت لحد ما عدى عليّ. نزلت، والطريق كله قاعدين في صمت. وأول ما وصلنا، مسك إيدي، والضحكة اتفردت على وشه، وبدأ يتكلم مع زمايله ومديرينه في الشركة، ولازقني جنبه زي العروسة البلاستيك.

مش أول مرة أحضر معاه، ولا أنا البنت الوحيدة اللي بتمثل نفس الدور هنا. دور آخر قطعة في الصورة الخادعة للكمال. دور القطعة الأخيرة في الحلم الأمريكي: الراجل الناجح الغني، وفي إيده البنت المطيعة الجميلة، الزوجة المثالية.

مش أول مرة أمثّل الدور دا، بس المرة دي غير. النهارده الدنيا زحمة، والناس صوتها عالي، ونظراتهم ليا مش عاجباني. مش أول مرة آخد بالي إنهم شايفني روبوت بلا وعي، بلا حياة، كل دوره في الحياة إنه يبقى إيده في إيد كريم… لكن أول مرة آخد بالي إنهم عندهم حق.

قلت لكريم إني تعبانة ومحتاجة أروح، محاولة مني للهروب من المكان بأي شكل. وقضيت أسبوع كمان في البيت، مش بتحرك من السرير، بقلب في التليفون، بحاول ألاقي حاجة صوتها أعلى من دماغي.

“الاكتئاب لا يمكنه إصابة هدف متحرك”

أنا بقالي أسبوع في السرير. أنا مش بتحرك من مكاني. أنا معنديش حياة… أنا عندي اكتئاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *